تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١٥٩ وقوله تعالى :﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا﴾(١) عن عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما قال أحدهما : فيكم في الكفرة، وقال الآخر : في أهل الصلاة، وقيل : هم الحرورية، وقيل : هم اليهود والنصارى. ولكن لا ندري من هم ؟ وليس بنا إلى معرفة من كان حاجة.
ثم يحتمل وجوها ثلاثة : يحتمل ﴿فرقوا دينهم﴾ حقيقة، لأن [ أصحاب ](٢) جميع الأديان عند أنفسهم أنهم يدينون دين الله، لا أحد يقول : إنه يدين بدين غير [ دين ](٣) الله. ألا ترى أنهم قالوا :﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] وقالوا(٤) :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ ؟ [يونس: ١٨] فهم وإن كانوا عند أنفسهم أنهم يدينون دين الله فهم في الحقيقة فارقوا دينهم وليسوا على دين الله. ويحتمل فارقوا دينهم الذي أمروا به، ودعا إليه الرسل والأنبياء، صلوات الله عليهم، فارقوا ذلك الدين. ويحتمل : فارقوا دينهم، الذي دانوا به في عهد الأنبياء والرسل بدين الله، ففارقوا ذلك الدين، والله أعلم، كقوله تعالى :﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ [البقرة: ٨٩] وكقوله تعالى :﴿أكفرتم بعد إيمانكم﴾ الآية [آل عمران: ١٠٦] كانوا مؤمنين به ﴿وكانوا شيعا﴾ أي صاروا فرقا وأحزابا.
وقوله تعالى :﴿لست منهم في شيء﴾ من الناس من صرف تأويله ﴿لست منهم﴾ أي لست أنت في قتالهم في شيء ؛ كأنه نهاه عن قتالهم في وقت، ثم أذن له بعد ذلك حين(٥) نسخته آية السيف، وهذا بعيد. ويحتمل ﴿لست منهم في شيء﴾ أي لست من دينهم في شيء ؛ لأن دينهم كان تقليدا لآبائهم، ودينك دين بالحجج والبراهين، فلست منهم أي من دينهم في شيء. ويحتمل ﴿لست منهم في شيء﴾ أي لا تسأل أنت عن دينهم، ولا تحاسب على ذلك كقوله تعالى :﴿ما عليك من حسابهم من شيء﴾ الآية [الأنعام: ٥٢]. أو يخرج على إياس أولئك الكفرة من عود رسول الله ﷺ إلى دينهم كقوله تعالى :﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾ الآية [المائدة: ٣].
وقوله تعالى :﴿إنما أمرهم إلى الله﴾ يحتمل الحكم(٦) فيهم إلى الله، ليس إليك، هو الذي يحكم فيهم، أو أن يكون ﴿أمرهم إلى الله﴾ في القتال حتى يأذن لك بالقتال ﴿ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾ هو وعيد.
١ - في الأصل وم: فارقوا، وهي قراءة حمزة والكسائي، انظر حجة القراءات ص (٢٧٨)..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - في الأصل وم: و..
٥ - في الأصل وم: حيث..
٦ - أدرج قبلها في الأصل وم: أي..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى