كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؛ أي قل لَهم يا مُحَمَّدُ : إنَّنِي وَفَّقَنِي ربي وأرشدَنِي إلى دين الحقِّ الذي أدعُو الْخَلْقَ إليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿دِيناً قِيَماً﴾ ؛ أي دِيْناً هو غايةٌ في الاستقامة.
قرأ أهلُ الكوفةِ والشَّام :(قِيَماً) بكسرِ القاف وفتحِ الياء مخفَّفاً ؛ فمعناهُ : المصدرُ ؛ كالصِّغَرِ والكِبَرِ، ولم يقلْ : قَوْماً ؛ لأنه مِن قولك : قَامَ يَقُومُ قِيَاماً وقِيَماً. وقرأ الباقونَ بالتشديد. وتصديقُ التشديدِ :﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾[التوبة: ٣٦]﴿وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾[البينة: ٥]. والقيِّمُ : الْمُسْتَقِيْمُ. واختلفَ النُّحَاةُ في نصبهِ ؛ فقال الأخفشُ :(هَدَانِي دِيْناً قَيِّماً). وَقِيْلَ : عرَّفَني ديناً. وَقِيْلَ : أعْنِي ديناً. وَقِيْلَ : انتصَبَ على الإغرءِ ؛ أي الْتَزِمُوا ديناً واتَّبعوا ديناً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ ؛ أي دينَ إبراهيم ؛ وهو بدلٌ من قوله (دِيْناً). وقولهُ (حَنِيْفاً) أي مَائلاً عن الشِّركِ وجميع الأديانِ الباطلة مَيْلاً لا رجوعَ فيه، وهو نَصْبٌ على الحال ؛ كأنه قال : عَرَّفَنِي دينَ إبراهيم في حالِ حَنِيْفِيَّتِهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، أي ما كانَ إبراهيمُ عليه السلام على دينِ المشركين. إنَّما أضافَ هذا الدينَ إلى إبراهيم ؛ لأن إبراهيمَ كان مُعَظََّماً في عُيُونِ العرب، وفي قلوب سائرِ أهل الأديَان ؛ إذ أهلُ كلِّ دينٍ يزعمون أنَّهم يُبَجِّلُونَ دينَ إبراهيم عليه السلام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى