اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
لما عَلِم رسُول الله ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظم دلائِلَ التَّوْحِيد، والردِّ على القَائِلِين بالشُّرَكَاء والأضْداد، وبالغ في تَقْرير إثْبَات القَضَاءِ والقدر، ورد على أهل الجاهليَّة في أبَاطِيلهم أمَرَهُ - عليه الصلاة والسلام - أن يَخْتِم الكلام بقوله :" قُلْ إنِّنِي هَدَاني ربِّي إلى صراطٍ مُسْتَقيمٍ "، وذلك يَدُلُّ على أنَّ الهِدَايةَ لا تَحْصُل إلاَّ باللَّه - تبارك وتعالى سبحانه -.
وقال القُرطُبِيُّ(١)- رحمه الله تعالى - :" لمّا بيَّن أنَّ الكُفَّار تفرَّقُوا، بيَّن أنَّه – تعالى - هَدَاهُ إلى الصِّراط المُسْتَقيم، وهو مِلَّة إبراهيم - عليه الصلاة وأتم التسليم - ".
قوله :" دِنياً " : نَصْبُه من أوْجُه :
أحدها : من نصب على الحال، قال قُطْرُب وقيل : إنَّه مصدر على المَعْنَى، أي : هَدَانِي هدايةَ دينٍ قيِّم، أو على إضْمَار :" عَرَّفَنِي ديناً " أو الْزَمُوا دِيناً.
وقال أبُو البقاء(٢) - رحمة الله عليه - : إنه مفعُول ثانٍ ل " هَدَاني " وهو غَلَطٌ ؛ لأنَّ المَفْعُول الثَّاني هُنَا هو المَجْرُور ب " إلى " فاكتُفِي بِهِ.
وقال مكِّي(٣) - رحمه الله تعالى عليه - :" إنَّهُ منصُوبٌ على البدل من محلِّ إلى صِراطٍ مُسْتقيمٍ ".
وقيل : ب " هَدَانِي " مقدّرة لدلالة " هَدَانِي " الأوَّل عليها وهو كالذي قَبْلَه في المعنى.
قوله :" قِيماً " قرأ الكُوفيُّون(٤)، وابن عامِر : بكسر القافِ وفتح الياء خفيفة، والباقون بفَتْحِها، وكَسْر اليَاء مشدَّدة، ومعناه : القَوِيم المُسْتَقِيم، وتقدَّم تَوْجِيه إحْدى القراءتَيْن في النِّسَاءِ والمَائِدة.
قال الزَّمَخْشَري(٥) - رحمه الله عليه - : القيم :" فَيْعِل " من " قام " كسيِّد من سَادَ، وهو أبْلغُ من القَائِم.
وأمَّا قِرَاءة أهْلِ الكُوفَة فقال الزَّجَّاج(٦) - رحمه الله عليه - : هو مَصدر بمعنى : القيَام، كالصِّغَر والكِبر والجُوع والشبع، والتَّأويل : ديناً ذا قَيِم، ووصف الدِّين بهذا المَصْدر مُبالغة.
قوله تعالى :" مِلَّة " بدلاً من " ديناً " أو مَنْصُوبٌ بإضْمار أعني، و " حنيفاً " قد ذكر في البقرة(٧) والنساء(٨).
والمعنى : هداني وعرَّفَنِي ملَّة إبراهيم حال كَوْنِها موصُوفة بالحنيفيَّة. ثم وصف إبراهيم - عليه الصلاة والسلام- بقوله :" وما كان من المُشْركين " والمقْصُود منه : الردُّ على المُشْرِكين.
١ ينظر: القرطبي ٧/٩٨..
٢ ينظر: الإملاء ١/٢٦٧..
٣ ينظر: المشكل ١/٣٠١..
٤ ينظر: السبعة ٢٧٤ الحجة لابن خالويه ١٥٢ ولأبي زرعة ٢٧٨ النشر ٢/٢٦٦..
٥ ينظر: الكشاف ٢/٨٣..
٦ ينظر: الفخر الرازي ١٤/١٠..
٧ الآية: ١٣٥..
٨ الآية: ١٢٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى