البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم إن تضعيف الحسنات إنما يكون لمن تمسك بالدين القيم، وهو الذي أشار إليه بقوله :
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
قلت :﴿دينًا﴾ : بدل من محل، " صراط " ؛ لأن الأصل : هداني صراطًا مستقيمًا دينًا قيمًا، و﴿قَيَّمًا﴾ : فيعل من القيام، فهو أبلغ من مستقيم، ومن قرأ بكسر القاف : فهو مصدر وصف به ؛ للمبالغة، و﴿ملة إبراهيم﴾ : عطف بيان لدين، ﴿وحنيفًا﴾ : حال من إبراهيم.
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿قل﴾ لهم :﴿إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم﴾ بالوحي والإرشاد إلى ما نصب من الحجج والآيات، ﴿دينًا قيمًا﴾ ؛ مستقيمًا يوصل من تمسك به إلى جوار الكريم، في حضرة النعيم، وهو ﴿ملة إبراهيم﴾ أي : دينه، حال كونه ﴿حنيفًا﴾ : مائلاً عما سوى الله، ﴿وما كان من المشركين﴾، وهو تعريض لقريش، الذين يزعمون أنهم على دينه، وقد أشركوا بالله عبادة الأوثان.
الإشارة : قد أخذ الصوفية من هذا الدين القيم، الذي هدى الله إليه نبيه عليه الصلاة والسلام خلاصته ولبابه، فأخذوا من عقائد التوحيد : الشهود والعيان على طريق الذوق والوجدان ؛ ولم يقنعوا بالدليل والبرهان، وأخذوا من الصلاة : صلاة القلوب، فهم على صلاتهم دائمون من صلاة الجوارح، على نعت قوله :﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]، وأخذوا من الزكاة : زكاة نفوسهم بالرياضة والتأديب وإضافة الكل إليه. ( العبد وما كسب لسيده )، مع أداء الزكاة الشرعية لمن وجبت عليه. وكان الشيخ أبو العباس السبتي رضي الله عنه يعطي تسعة أعشار زرعه، ويمسك العشر لنفسه.
وأخذوا من الصيام : صيام الجوارح كلها، مع صيام القلب عن شهود السِّوى. وأخذوا من الحج : حج القلوب إلى حضرة علام الغيوب، فالكعبة تشتاق إليهم وتطوف بهم، كما تقدم في آل عمران، ومن الجهاد : الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفوس، وهكذا مراسم الشريعة كلها عندهم صافية خالصة من الشوائب، بخلاف غيرهم، فلم يأخذ منها إلا قشرها الظاهر وعمل الأشباح، فهي صُور قائمة لا روح فيها ؛ لعدم الإخلاص والحضور فيها. والله تعالى أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى