اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
لمَّا عرّفه الدِّين المُستقِيم، عرَّفه كيف يقُوم به ويؤدِّيه، وهذ الآية الكريمة تدلُ على أنَّه - عليه الصَّلاة والسَّلام - مؤدِّي العِبَادة مع الإخْلاص، وأكده بقوله -تبارك وتعالى- :﴿لاَ شَرِيكَ لَه﴾ وهذا من أقْوَى الدَّلائل على أنَّ شَرْط صحة الصَّلاة : أن يُؤتَى بها مَقْرُونةً بالإخْلاصِ.
واخْتَلَفُوا في المُرَاد بالنُّسُك :
فقيل : المُرَاد به : الذَّبِيحَة بعينها، وجمع بين الصَّلاة وبين النَّحر ؛ كما في قوله-تبارك وتعالى- :﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر﴾ [الكوثر: ٢]، فقيل : المراد بالصلاة هاهنا صلاة النَّحْر، وقيل : صلاةُ اللَّيْل(١).
وروى ثَعْلَب عن ابن الأعْرَابيِّ(٢) أنه قال : النُّسُك : سَبَائِك الفِضَّة، كل نَسِيكة منها سَبيكة، وقيل للمُتعَبِّد : نَاسِكٌ، لأنه خلَّص نفسه من دنَائِس الآثَم وصفَّاها، كالسَّبيكة المُخَلَّصَة من الخَبَث، وعلى هذا التَّأويل فالنُّسُك : كل ما يُتَقرَّبُ به إلى اللَّه -تبارك وتعالى-، إلاَّ أن الغَالِب عليه في العُرْف : الذَّبْح.
قوله :﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّه﴾.
قرأ نافع(٣) :" ومَحْيايْ " بسكون ياء المُتكلِّم، وفيها الجَمع بين سَاكِنَيْن.
قال الفارسي : كقوله :" التَقَتْ حَلْقَتَا البطَانِ " و " لِفُلانٍ ثُلُثَا المَالِ " بثبوت الألفين.
وقد طَعَن بَعْضُ النَّاس على هذه القراءة بما ذَكَرْت من الجَمْع بَيْن السَّاكِنين، وتعجَّبت من كَوْن هذا القَارئ يُحَرك ياء " مُمَاتِيَ " ويُسَكِّن ياء " مَحْيَايْ " وقد نقل بَعضُهُم عن نافع الرُّجوع عن ذلك.
قال أبُو شامة- رحمه الله عليه - :" فَيَنْبَغِي ألاَّ يَحِلَّ نَقْلُ تسْكِين ياء " مَحْيَايَ " عنه ".
وقرأ(٤) نافع في رواية :" مَحْيَاي " بكسر الياءِ، وهي تشبه قراءة حَمْزَة في ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وسيأتي - إن شاء الله تعالى -.
وقرا ابنُ أبي إسحاق(٥)، وعيسى الجَحْدَرِيُّ :" ومَحْيَيَّ " بإبْدال " الألف " " ياء "، وإدغَامِها في ياء المُتَكلِّم، وهي لُغة هُذَيْل، أنشد عليها قول أبي ذُؤيْب :[ الكامل ]
سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَوَاهُمُفَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرعُ(٦)
اعلم : أن المَحيْا والممَاتِ للَّه لَيْس بمعنى أنَّهُما يُؤتَى بِهِمَا لطاعة الله - عزَّ وجلَّ -، فإن ذلك مُحَال، بَلْ معنى كوْنِهِما للَّه أنَّهُمَا حَاصِلان بِخَلْقِ اللَّه، وذلك مِنْ أدلِّ الدِّلائل على أنَّ طاعة العَبْد مَخْلُوقة منه – تعالى -(٧).
وقال بَعْضُ المفسِّرين(٨) :" مَحْيَايَ : بالعمل الصالح، ومَمَاتِي : إذا مِتُّ على الإيمان من رب العَالمِين ".
واعلم : أنَّه -تبارك وتعالى- أمرَ رسُوله ﷺ بأن يُبَيِّن أنَّ صلاته، وسَائر عِباداتِه، وحياته، ومَمَاتِه كُلِّها واقعةٌ بخلق اللَّه-تبارك وتعالى- وبقدره، وقضَائه، وحُكْمِه.
وقال القُرْطُبِيُّ(٩) - رحمه الله عليه - : قوله :" ومَحْيَايَ " أي : ما أعْمَله في حَيَاتِي، و " مَمَاتِي " أي : ما اوصِي به بَعْد وَفَاتِي " لِلَّهِ ربِّ العَالمِين " أي : أُفْرِدُهُ بالتَّقَرُّب بها إليه.
١ ينظر: الفخر الرازي ١٤/١٠..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ ينظر: السبعة ٢٧٤ النشر ٢/٢٦٧ الحجة لأبي زرعة ٢٧٩ الكشف ١/٤٥٩ الدر المصون ٣/٢٢٧. الوسيط ٢/٣٤٤..
٤ ينظر: البحر المحيط ٤/٢٦٢، الدر المصون ٣/٢٢٧، المحرر الوجيز ٢/٣٦٩..
٥ ينظر: البحر المحيط ٤/٢٦٢، الدر المصون ٣/٢٢٧، المحرر الوجيز ٢/٣٦٩..
٦ تقدم..
٧ ينظر: الفخر الرازي ١٤/١١..
٨ ينظر: المصدر السابق..
٩ ينظر: القرطبي ٧/٩٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى