أحكام القرآن — الجصاص

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قُلْ إِنَّ صَلاتي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ ومَمَاتِي لله رَبِّ العَالَمِينَ﴾. قال سعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدي :" نُسُكي : ديني في الحج والعمرة ". وقال الحسن :" نسكي : ديني ". وقال غيرهم :" عبادتي ". إلا أن الأغلب عليه هو الذبح الذي يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى، وقولهم : فلان ناسك، معناه عابد لله. وقد رَوَى عبدالله بن أبي رافع عن علي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال :" وَجَّهْتُ وَجْهِيَ للَّذِي فَطَرَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ حَنِيفاً وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاتي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " إلى قوله :" مِنَ المُسْلِمِينَ ". وروى أبو سعيد الخدري وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه وقال :" سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وتَبَارَكَ اسْمُكَ وتَعَالَى جَدُّكَ ولا إِلَهَ غَيْرُكَ " والأول كان يقوله عندنا قبل أن ينزل :﴿وسبّح بحمد ربك حين تقوم﴾ [الطور: ٤٨]، فلما نزل ذلك وأمر بالتسبيح عند القيام إلى الصلاة ترك الأول ؛ وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف :" يُجمع بينهما لأنهما قد رُويا جميعاً ".
قوله تعالى :﴿إِنَّ صَلاتي﴾ يجوز أن يريد بها صلاة العيد ﴿وَنُسُكِي﴾ الأضحية ؛ لأنها تسمى نُسُكاً، وكذلك كل ذبيحة على وجه القربة إلى الله تعالى فهي نُسُكٌ، قال الله تعالى :﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" النُّسُكُ شَاةٌ "، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم النّحر :" إِنَّ أَوَّل نُسُكِنَا في يَوْمِنَا هَذَا الصَّلاةُ ثم الذَّبْحُ " فسمَّى الصّلاة والذبح جميعاً نسكاً، ولما قرن النسك إلى الصلاة دل على أن المراد صلاة العيد والأضحية، وهذا يدل على وجوب الأضحية لقوله تعالى :﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ والأمر يقتضي الوجوب. وقوله تعالى :﴿وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ قال الحسن وقتادة :" أول المسلمين من هذه الأمة ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى