اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
فيه وُجُوه :
أحدها : أنَّ محمداً ﷺ خاتم النَّبِيِّين، فَخَلَفَتْ أمَّتْه سَائِرَ الأمَم، والخلائف : جَمْع خليفة ؛ كالوَصَائف جَمْع وَصِيفَة، وكُلُّ من جَاءَ تبعاً له، فهو خَلِيفةَ ؛ لأنه يَخْلُفُه، أي : أهْلَك القُرُون المَاضِيَة، وجَعَلَكُم يا مُحمَّد ﷺ خُلَفَاء مِنْهُم، تَخْلُفونهم في الأرْضِ وتَعْمرُونها بعدهم.
وثانيها : جعلهُم يَخلُف بعضُهم بعضاً(١).
وثالثها : أنَّهُم خُلَفَاء اللَّه في أرْضِه، يَمْلِكُونها ويتَصَّرفُون فيها(٢).
قوله :﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ : في الشَّرف، والعَقْل والمال، والجاه، والرِّزْقِ، ﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ ليختبركُمْ فيما رَزَقَكُم، يَعْنِي : يَبْتَلِي الغَنِيَّ، والفَقِيرَ، والشَّريف، والوَضِيعَ، والحُر، والعَبْدَ، ليُظْهِر مِنْكُم ما يكُون عليه الثَّواب والعِقَاب، ثمَّ قال-تعالى- :﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب﴾ لأنّ ما هُو آتٍ هو سريعٌ قريب.
وقيل : هو الهلاك في الدنيا " وإنَّه لغَفُورٌ رَحِيمٌ ".
قال عطاء : سَريع العقاب لأعْدَائه، غَفُور رحيمٌ لأوْلِيائه رحيم بهم(٣)، وأكد قوله :" لَغَفُورٌ " [ باللام ](٤) دلالَة على سِعَة رَحْمَتِه، ولمْ يؤكد سُرْعة العِقَاب بذلك هُنَا، وإن كان قد أكَّد ذلك في سُورَة الأعْراف ؛ لأنَّ هناك المقام مقام تَخْويفٍ وتهديد، وبعد ذِكْر قصَّة المُعْتَدين في السَّبْت وغيره، فَنَاسب تَأكِيد العِقَاب هُنَاك، وأتى بِصِيغَتَي الغُفْرَان والرَّحْمة، لا بصيغَةٍ واحِدَة ؛ دلالة على حِلْمِه، وسِعَة مغفرته، ورَحْمَتِه.
١ ينظر: الفخر الرازي ١٤/١٢..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ تقدم..
٤ سقط في ب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى