بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
ثم قال :﴿وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خلائف الأرض﴾ يعني : سكان الأرض من بعد إهلاك الأمم الخالية، لأن النبي عليه السلام خاتم النبيين، وأمته قد خلفوا جميع الأمم. ويقال :﴿خلائف﴾ يعني : يخلف بعضكم بعضاً ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات﴾ أي فضل بعضكم على بعض في المال والرزق ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتاكم﴾ يعني : ليبتلي الموسر بالغِنَى ويطلب منه الشكر، ويبتلي المُعْسِر بالفاقة ويطلب منه الصبر. ويقال :﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ يعني : بعضكم ببعض كما قال الله تعالى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِي الأسواق وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [الفرقان: ٢٠].
ثم خوّفه فقال :﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب﴾ كأنه جاء لأن ما هو آتٍ فهو قريب، كما قال :﴿وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحٍ بالبصر﴾ [القمر: ٥٠] ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يعني : لمن أطاعه في فاقة أو غِنى. ويقال :﴿سَرِيعُ العقاب﴾ لمن لم يشكر نعمته وكان مصراً على ذلك.
﴿أَنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لمن رجع وتاب ﴿رَّحِيمٌ﴾ بعد التوبة. ويقال :﴿سَرِيعُ العقاب﴾ لمن لم يحفظ نفسه فيما أعطاه من فضل الله وترك حق الله في ذلك ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ﴾ لمن تاب ﴿رَّحِيمٌ﴾ بعد التوبة. قال الفقيه قال : حدثنا أبو الحسن بن حمدان بإسناده عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله ﷺ :« أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الأَنْعَامِ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَشَيَّعَهَا سَبْعُونَ أَلَف مَلَكٍ لَهُمْ زَجَلٌ بالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ » قال. وقال رسول الله ﷺ :« مَنْ قَرَأ سُورَةَ الأنْعَامِ صَلَّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ أُولئكَ السَّبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ بِعَدَدِ كُلِّ آيَةٍ في سُورَةِ الأنْعَامِ يَوْماً وَلَيْلَةً ».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى