الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
﴿خلائف﴾ : جمع خَلِيفَةِ، أي : يخلف بعضُكم بعضاً، لأن مَنْ أتى خليفةٌ لِمَنْ مضى، وهذا يتصوَّر في جميع الأممِ وسائرِ أصنافِ الناسِ، ولكنه يحْسُنُ في أمة نبيِّنا محمد ﷺ أن يسمى أهلها بجملتهم خلائِف للأمم، وليس لهم من يخلفهم، إذ هم آخر الأمم، وعليهم تقومُ الساعة، وروى الحَسَنُ بْنُ أبي الحسن، أنَّ النبيَّ ﷺ قال :( تُوفونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )، ويروى :( أَنْتُمْ آخِرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ ). وقوله :﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات﴾[الأنعام: ١٦٥] لفظٌ عامٌّ في المالِ، والقوةِ، والجاهِ، وجودةِ النفُوسِ والأذهانِ، وغير ذلك، وكل ذلك إنما هو ليختبر اللَّه سبحانه الخلْقَ، فيَرَى المحْسِنَ من المُسيء، ولما أخبر اللَّه عزَّ وجلَّ بهذا، ففسح للنَّاس مَيْدَانَ العَمَل، وحضَّهم سبحانه على الاستباقِ إلى الخيراتِ، توعَّد ووَعَد، تخويفاً منه وترجيةً، فقال :﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب﴾ إما بأخَذَاته في الدنيا، وإما بعقاب الآخرة، وحَسُنَ أنْ يوصف عقابُ الآخرة ب «سريع »، لما كان متحقّقاً مضمون الإتيانِ والوقوعِ، وكلُّ آت قريبٌ، ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ : ترجيةٌ لمن أذنب وأراد التوبة، وهذا في كتاب اللَّه كثيرٌ، وهو اقتران الوعيد بالوعدِ، لطفاً من اللَّه سبحانه بعبادِهِ، اللَّهم اجعلنا مِمَّنْ شملته رحْمَتُكَ وغُفْرانُكَ، بجُودِكَ وإحسانِكَ، ومِنْ كلام الشيخ الوليِّ العارفِ أبي الحسن الشَّاذِلِيِّ ( رحمه اللَّه ) قَالَ : من أراد أن لاَّ يضره ذنْبٌ، فليقل : ربِّ أعوذ بك من عذابِكَ يَوْمَ تبعث عبادَكَ، وأعوذ بك مِنْ عاجل العذابِ، ومِنْ سوء الحسابِ، فإنك لسريعُ الحِسَاب، وإنك لغفور رحيم، رَبِّ إني ظلمت نفسي ظُلْماً كثيراً، فاغفر لي وتُبْ عليَّ لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنْتُ من الظالمين، انتهى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى