الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ : في الضميرين - أعني هم وهاء " عنه " - أوجه، أحدها : أن المرفوع يعود على الكفار، والمجرور يعود على القرآن، وهو أيضاً الذي عاد عليه الضميرُ المنصوب من " يَفْقهوه "، والمشارُ إليه بقولهم :" إنْ هذا " والثاني : أنَّ " هم " يعود على مَنْ تقدَّم ذِكْرُهم مِن الكفار، وفي " عنه " يعود على الرسول، وعلى هذا فقيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغَيْبة، فإن قوله :﴿جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ خطاب للرسول، فخرج من هذا الخطاب إلى الغَيْبة. وقيل : يعود على المرفوع على أبي طالب وأتباعه.
وفي قوله ﴿يَنْهَوْنَ﴾ و ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ تجنيس التصريف، وهو عبارة عن انفراد كل كلمة عن الأخرى بحرف فينهَوْن انفردت بالهاء، ويَنْأَوْن بالهمزة، ومثله قوله تعالى :﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ. . . . . . وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] وقوله عليه السلام :" الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ " وبعضهم يسمِّيه " تجنيس التحريف " وهو الفرق بين كلمتين بحرف، وأنشدوا :
وذكر غيره أن تجنيسَ التحريف هو أن يكون الشكل فرقاً بين كلمتين، وجعل منه " اللُّهى تفتح اللَّهى " وقد تقدم تحقيق ذلك. وقرأ الحسن البصري " ويَنَوْن " بإلقاء حركة الهمزة على النون وحذفها، وهو تخفيف قياسي. والنَّأيُ : البُعْد، قال :
وقال آخر :
عطف الشيء على نفسه للمغايرة اللفظية، يقال : نأى زيد يَنْأى نأياً، ويتعدَّى بالهمزة فيقال : أَنْأيْتُه، ولا يُعَدَّى بالتضعيف، وكذا كلُّ ما كان عينه همزة. ونقل الواحدي أنه يقال : نَأَيْتُه بمعنى نَأَيْتُ عنه، أنشد المبردِ :
أي : نأى عني. وحكى اللَّيث :" نَأَيْت الشيء " أي : أبعدته، وأنشد :
فبناه للمفعول أي : يُنَحَّى ويُبْعَد. والحاصلُ أن هذه المادةَ تدلُّ على البُعْد، ومنه : أَتَنَأَّى أي : أفتعلُ النَّأيَ. والمَنْأى : الموضع البعيد، قال النابغة :
وتناءَى : تباعَدَ، ومنه النُّؤيُ للحُفَيْرة التي حول الخِباء لتُبْعِدَ عنه الماء. وقُرِئ :﴿وناءَ بجانبه﴾ وهو مقلوبٌ مِنْ نأى، ويدل على ذلك أن الأصلَ هو المصدرُ وهو النَّأْيُ بتقديم الهمزة على حرف العلة.
قوله :﴿وَإِن يُهْلِكُونَ﴾ " إنْ " نافيةٌ كالتي في قوله :﴿إِنْ هَذَآ﴾
[الأنعام: ٢٥]، و " أنفسهم " مفعولٌ، وهو استثناء مفرغ، ومفعول " يَشْعرون " محذوف : إمَّا اقتصاراً وإمَّا اختصاراً، أي : وما يشعرون أنهم يُهْلكون أنفسَهم.
وفي قوله ﴿يَنْهَوْنَ﴾ و ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ تجنيس التصريف، وهو عبارة عن انفراد كل كلمة عن الأخرى بحرف فينهَوْن انفردت بالهاء، ويَنْأَوْن بالهمزة، ومثله قوله تعالى :﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ. . . . . . وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] وقوله عليه السلام :" الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ " وبعضهم يسمِّيه " تجنيس التحريف " وهو الفرق بين كلمتين بحرف، وأنشدوا :
| إنْ لم أشُنَّ على أبن حرب غارةً | لم تَخْلُ يوماً من نِهاب نفوسِ |
| إذا غيَّر النأيُ المُحِبِّين لم يَزَلْ | رَسِيسُ الهوى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يبرحُ |
| ألا حَبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ | وهندٌ أتى مِنْ دونها النأيُ البعدُ |
| أعاذِلُ إن يُصْبحْ صَداي بقَفْرَةٍ | بعيداً نآني صاحبي وقريبي |
| إذا ما التَقَيْنا سالَ من عَبَراتنا | شآبيب يُنْآى سَيْلُها بالأصابع |
| فإنَّك كالموتِ الذي هو مُدْرِكي | وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتأى عنك واسعُ |
قوله :﴿وَإِن يُهْلِكُونَ﴾ " إنْ " نافيةٌ كالتي في قوله :﴿إِنْ هَذَآ﴾
[الأنعام: ٢٥]، و " أنفسهم " مفعولٌ، وهو استثناء مفرغ، ومفعول " يَشْعرون " محذوف : إمَّا اقتصاراً وإمَّا اختصاراً، أي : وما يشعرون أنهم يُهْلكون أنفسَهم.