التفسير الشامل — أمير عبد العزيز

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وهم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ الضمير ﴿هم﴾ يعود على الكفار. وقيل : المراد بذلك أبو طالب. والضمير في قوله :﴿عنه﴾ يعود على القرآن. وقيل : يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم. والنهي معناه : الزجر. والنأي معناه : البعد. وذلك بيان لحال الكافرين في كل مكان وزمان، على اختلاف مللهم ونحلهم فإنهم كانوا وما فتئوا يزجرون الناس أن يتبعوا دعوة الإسلام أو يستمعوا لتعاليم القرآن الحكيم بما فيه من عقيدة وتشريع ومنهاج حياة. وهم كذلك ينأون بأنفسهم عن هذا الدين، إذ يباعدون بين أنفسهم وأممهم، وهذا الدين الحنيف. الدين الذي جاء لينقذ البشرية من الفساد والتخبط فيلج بهم حومة النجاة والسعادة.
وقيل فيما رواه أهل السير في سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عله وسلم كان قد خرج إلى الكعبة يوما وأراد أن يصلي. فلما دخل في الصلاة استنهض اللعين أبو جهل من يقوم فيفسد عليه صلاته. فنهض ابن الزبعري فأخذ فرثا(١) ودما فلطخ به وجه النبي صلى الله عليه وسلم. فانفتل النبي من صلاته ثم أتى أبا طالب عمه. فقال أبو طالب : من فعل هذا بك ؟ فقال النبي صلى الله عله وسلم : " عبد الله بن الزبعري " فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه وقال للقوم : والله لئن قام رجل لجللته بسيفي. فقعدوا حتى دنا منهم فقال : يا بني، من الفاعل بك هذا ؟ فقال : " عبد الله بن الزبعري " فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول. فنزلت هذه الآية. فقال النبي صلى الله عله وسلم : " يا عم نزلت فيك آية " قال : وما هي ؟ قال : " تمنع قريشا أن تؤذيني وتأبى أن تؤمن بي " فأنشد أبو طالب قائلا :
والله لن يصلو إليك بجمعهمحتى أُوسَّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضةوأبشر وقر منك عيونا
ودعوتني وزعمت أنك ناصحيفلقد صدقت وكنت قبل أمينا
لولا الملامة أو حذار مسبةلوجدتني سمحا بذاك يقينا
فقالوا : يا رسول الله، هل تنفع أبا طالب نصرته ؟ قال : " نعم دفع عنه بذاك الغل ولم يقرن مع الشياطين ولم يدخل في جب الحيات والعقارب، إنما عذابه في نعلين من نار في رجليه يغلي منهما دماغه في رأسه وذلك أهون أهل النار عذابا " وفي الصحيح مسلم أيضا عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عله وسلم : " أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين من نار يغلى منهما دماغه " وكذلك أخرج مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عله وسلم لعمه : " قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة " قال : لولا تعيرني قريش، يقولون : إنما حمله على ذلك الجزع ( الخوف ) لأقررت بها عينك. فأنزل الله تعالى ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾.
أما عبد الله بن الزبعري فقد أسلم عام الفتح وحسن إسلامه واعتذر إلى رسول الله صلى الله عله وسلم فقبل عذره. وكان شاعرا بليغا فقال يمدح في شعره النبي صلى الله عله وسلم :
يا خير من حملت على أوصالها(٢)عيرانة(٣) سرح اليدين غشوم
إني لمعتذر إليك من الذيأسديت إذ أنا في الضلال أهيم
فاليوم آمن بالنبي محمدقلبي ومخطئ هذه محروم
مضت العداوة فانقضت أسبابهاوأتت أواصر بيننا وحلوم(٤)
فاغفر فدى لك والدي كلاهمازللي فإنك راحم مرحوم
ولقد شهدت بأن دينك صادقحقا وأنك في العباد جسيم
والله يشهد أن أحمد مصطفىمستقبل في الصالحين كريم
قرم علا بنيانه من هاشمفرع تمكن في الذرى وأروم
قوله :﴿وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ إن أداة نفي بمعنى ما أي هؤلاء المشركين المكذبين – بصدهم عن سبيل الإسلام وإعراضهم عن الكتاب الحكيم وكفرهم بالله ورسوله لا يهلكون إلا أنفسهم، إذ يوردونها الردى والخسران حيث السخط من الله والعقاب الأليم. وهم بفسقهم وانثنائهم عن دعوة الحق لا يدرون ما هم مفضون إليه من العذاب المهين(٥).
١ - الفرث: السرجين في الكرش. انظر القاموس المحيط ص ٢٢٢..
٢ - الأوصال: المفاصل، أو مجتمع العظام. والمفرد وصل، بالكسر والضم. انظر القاموس المحيط ص ١٣٨٠..
٣ - العيرانة السرح اليدين: الناقعة السريعة. انظر القاموس المحيط ص ٢٨٦..
٤ - الحلوم: العقول. ومفرده الحلم بالكسر وهو العقل والأناة. انظر القاموس المحيط ص ١٤١٦..
٥ - تفسير الطبري ج ٧ ص ١١٠- ١١١ وتفسير القرطبي ج ٦ ص ٤٠٥- ٤٠٨ والدر المصون ج ٤ ص ٥٨١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى