إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود

عن الكتاب
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الضمير المرفوع للمذكورين، والمجرورُ للقرآن أي لا يقتنعون بما ذكر من تكذيبه وعدِّه من قبيل الأساطير، بل ينهَوْن الناسَ عن استماعه لئلا يقِفوا على حقّيته فيؤمنوا به ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي يتباعدون عنه بأنفسهم إظهاراً لغاية نفورهم عنه وتأكيداً لنهيهم عنه، فإن اجتنابَ الناهي عن المنهيِّ عنه من متمّمات النهْي، ولعل ذلك هو السرُّ في تأخير النأْي عن النهْي وقيل : الضميرُ المجرور للنبي عليه الصلاة والسلام وقيل : المرفوعُ لأبي طالب، ولعل جمعيته باعتبار استتباعه لأتباعه، فإنه كان ينهى قريشاً عن التعرض لرسول الله ﷺ، وينآى عنه فلا يؤمن به، وروي أنهم اجتمعوا إليه وأرادوا برسول الله ﷺ سوءاً فقال :[ الكامل ]
والله لن يَصِلوا إليك بجمعِهمحتى أُوسَّدَ في التراب دفينا
فاصدَعْ بأمرك ما عليك غضاضةوابشُرْ بذاك وقَرَّ منه عيونا
ودعوتني وزعمتَ أنك ناصحيولقد صدقت وكنت ثَمَّ أمينا
وعرضتَ ديناً لا محالةَ إنهمن خيرِ أديان البرية دينا
لولا الملامةُ أو حِذاري سُبّةًلوجدتني سَمْحاً بذاك مبينا
فنزلت ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ﴾ أي ما يهلكون بما فعلوا من النهي والنأي ﴿إِلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ بتعريضها لأشد العذاب وأفظعِه عاجلاً وآجلاً وهو عذابُ الضلال والإضلال وقوله تعالى :﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ حال من ضمير ( يُهلكون ) أي يقصُرون الإهلاكَ على أنفسهم والحال أنهم ما يشعرون أي لا بإهلاكهم أنفسَهم ولا باقتصار ذلك عليها من غير أن يُضِروا بذلك شيئاً من القرآن والرسولِ عليه الصلاة والسلام والمؤمنين. وإنما عبّر عنه بالإهلاك، مع أن النفيَ عن غيرهم مطلقُ الضرر إذ غايةُ ما يؤدي إليه ما فعلوا من القدح في القرآن الكريم الممانعةُ في تمشّي أحكامِه وظهورِ أمر الدين، للإيذان بأن ما يَحيق بهم هو الهلاكُ لا الضررُ المطلقُ، على أن مقصِدهم لم يكن مطلقَ الممانعة فبما ذُكر بل كانوا يبغون الغوائلَ لرسول الله ﷺ وللمؤمنين. ويجوز أن يكون الإهلاكُ معتبراً بالنسبة إلى الذين يُضِلونهم بالنهي، فقصْرُه على أنفسهم حينئذ مع شموله للفريقين مبنيٌّ على تنزيلِ عذاب الضلالِ عند عذاب الإضلال منزلةَ العدم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى