النكت والعيون — الماوردي

عن الكتاب
﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ قوله عز وجل: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكَّرُوا بِهِ﴾ معنى ذلك أنهم تركوا ما ذَكَّرَهُم الله من آياته الدالة على توحيده وصدق رسوله. ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمُ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني من نِعَمِ الدنيا وسَعَة الرزق. وفي إنعامه عليهم مع كفرهم وجهان: أحدهما: ليكون إنعامه عليهم داعياً إلى إيمانهم. والثاني: ليكون استدراجاً وبلوى، وقد روى ابن لهيعة بإسناده عن عقبة ابن عامر أن النبي ﷺ قال: (إِذَا رَأَيْتَ اللَّه يعِطي العِبَادَ مَا يَشَاءُونَ عَلَى
مَعَاصِيهِم إِيَّاهُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ مِنْهُ) ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابِ كُلِّ شَيْءٍ﴾. ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ﴾ يعني من النِّعَمْ فلم يؤمنوا. ﴿أَخَذَنَاهُم بَغْتَةً﴾ يحتمل وجهين. أحدهما: أنه تعجيل العذاب المُهْلِك جزاء لأمرين. أحدهما: لكفرهم به. والثاني: لكفرهم بنِعَمِهِ. والوجه الثاني: هو سرعة الموت عند الغفلة عنه بالنِّعَمِ قَطْعاً للذة، وتعذيباً للحسرة. ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ وفيه خمسة تأويلات: أحدها: أن الإِبلاس: الإِياس قال عدي بن زيد:
(ملك إذا حل العفاة ببابهغبطوا وأنجح منهم المستبلس)
يعني الآيس. والثاني: أنه الحزن والندم. والثالث: الخشوع. والرابع: الخذلان. والخامس: السكوت وانقطاع الحجة، ومنه قول العجاج:
(يا صاح هل تعرف رسماً مكرساًقال نعم أعرفه وأبلسا)

تفسير هذه الآية من كتب أخرى