الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَلَوْلا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ :" إذ " منصوب ب " تَضرَّعوا " فَصَلَ به بين حرف التحضيض وما دخل عليه، وهو جائز حتى في المفعول به، تقول :" لولا زيداً ضَرَبْتَ " وتقدَّم أن حرف التحضيض مع الماضي يكون معناه التوبيخ.
والتضرُّع : تفعُّل من الض‍‍َّراعة، وهي الذِّلَّة والهيئة المسبِّبة عن الانقياد إلى الطاعة يقال : ضَرَع يَضْرَعُ ضَراعة فهو ضارعٌ وضَرِع قال :
لِيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومَةٍومختبطٌ ممَّا تُطيح الطوائِحُ
وللسهولة والتذلُّل المفهومة من هذه المادة اشتقُّوا منها للثدي اسماً فقالوا له " ضَرْعاً "
قوله :﴿وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ " لكنْ " هنا واقعة بين ضدين، وهما اللين والقسوة ؛ وذلك أن قولَه " تَضَرَّعوا " مُشْعِرٌ باللين والسهولة، وكذلك إذا جَعَلْتَ الضراعةَ عبارة عن الإِيمان، والقسوة عبارة عن الكفر، وعَبَّرت عن السبب بالمسبِّب وعن المسبِّب بالسبب، ألا ترى أنك تقول :" آمَنَ قلبُه فتضرَّع، وقسا قلبه فكفر " وهذا أحسن من قول أبي البقاء :" ولكن " استدراك على المعنى، أي ما تضرَّعوا ولكن " يعني أن التحضيض في معنى النفي، وقد يترجَّح هذا بما قاله الزمخشري فإنه قال :" معناه نَفْيُ التضرُّعِ كأنه قيل : لم يتضرعوا إذ جاءهم بأْسُنا، ولكنه جاء ب " لولا " ليفيد أنه لم يكنْ لهم عذرٌ في ترْك التضرُّع إلا قسوةُ قلوبِهم وإعجابُهم بأعمالهم التي زيَّنها الشيطان لهم ".
قوله :﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ﴾ هذه الجملة تحتمل وجهين، أحدهما : أن تكون استنافيةً، أخبر تعالى عنهم بذلك. " والثاني : وهو الظاهر - : أنها داخلةٌ في حَيِّز الاستدارك فهي نسقٌ على قوله :﴿قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وهذا رأيُ الزمخشري فإنه قال :" لم يكن لهم عُذْرٌ في ترك التضرع إلا قسوةُ قلوبهم وإعجابُهم بأعمالهم " وقد تقدَّم ذلك. و " ما " في قوله :﴿مَا كَانُواّ﴾ يحتمل أن تكونَ موصولةً اسمية أي : الذي كانوا يعملونه وأن تكونَ مصدرية، أي : زَيَّن لهم عملَهم، كقوله :﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل: ٤] ويَبْعُد جَعْلُها نكرةً موصوفة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى