جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلاَ تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. .
ذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين قال المشركون له : لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا هناد بن السريّ، قال : حدثنا أبو زيد، عن أشعث، عن كُردوس الثعلبي، عن ابن مسعود، قال : مرّ الملأ من قريش بالنبيّ ﷺ وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك، هؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا، أنحن نكون تبعا لهؤلاء ؟ اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فنزلت هذه الاَية : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِيدونَ وَجْهَه وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ. . . إلى آخر الاَية.
حدثنا جرير، عن أشعث، عن كردوس الثعلبي، عن عبد الله، قال : مرّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ، ثم ذكر نحوه.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن كردوس، عن ابن عباس، قال : مر على رسول الله ﷺ ملأ من قريش، ثم ذكر نحوه.
حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العن قزي، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، عن أبي سعيد الأزديّ وكان قارىء الأزد عن أبي الكنود، عن خباب، في قول الله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . . إلى قوله : فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمينَ قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا النبيّ ﷺ قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب، في أناس من ضعفاء المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فقالوا : إنا نحبّ أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال :«نَعَمْ » قالوا : فاكتب لنا عليك بذلك كتابا قال : فدعا بالصحيفة، ودعا عليّا ليكتب، قال : ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الاَية : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ، ثم قال : وكذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهُؤَلاءِ مَنّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا ألَيْسَ اللّهُ بأعْلَمَ بالشّاكِرِينَ، ثم قال : وَإذا جاءَكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبّكُمْ على نَفْسِهِ الرّحْمَةَ. فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة من يده، ثم دعانا، فأتيناه وهو يقول : سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبّكُمْ على نَفْسِهِ الرّحْمَةَ. فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحيَاةِ الدّنْيا قال : فكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، عن أبي سعيد الأزديّ، عن أبي الكنود، عن خباب بن الأرق، بنحو حديث الحسين بن عمرو إلاّ أنه قال في حديثه : فلما رأوهم حوله نَفّروهم، فأتوه فخَلَوا به. وقال أيضا : فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ، ثم ذكر الأقرع وصاحبه، فقال : وكَذَلكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ. . . الاَية. وقال أيضا : فدعانا فأتيناه وهو يقول :«سَلامٌ عَلَيْكُمْ » فدنونا منه يومئذٍ حتى وضعنا ركبنا على ركبتيه، وسائر الحديث نحوه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، وحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة والكلبي : أن ناسا من كفار قريش قالوا للنبيّ ﷺ : إن سَرّكَ أن نتبعك فاطرد عنا فلانا وفلانا ناسا من ضعفاء المسلمين. فقال الله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِيدونَ وَجْهَه.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ. . . إلى قوله : وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ. . . الاَية، قال : وقد قال قائلون من الناس لرسول الله ﷺ : يا محمد إن سرّك أن نتبعك فاطرد عنا فلانا وفلانا لأناس كانوا دونهم في الدنيا ازدراهم المشركون. فأنزل الله تعالى هذه الاَية إلى آخرها.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ بلال وابن أمّ عبد كانا يجالسان محمدا ﷺ، فقالت قريش محقرتهما : لولاهما وأمثالهما لجالسناه فنهي عن طردهم، حتى قوله : ألَيْسَ اللّهُ بأعْلَمَ بالشّاكِرِينَ قال : قل سلام عليكم فيما بين ذلك في هذا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، قال : قال سعيد : نزلت هذه الاَية في ستة من أصحاب النبيّ ﷺ، منهم ابن مسعود، قال : كنا نسبق إلى النبيّ ﷺ، وندنو منه ونسمع منه، فقالت قريش : يُدْني هؤلاء دوننا ؟ فنزلت : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، في قوله : وأنْذِرْ بِهِ الّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبّهِمْ. . . الاَية. قال : جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عديّ والحرث بن نوفل وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل في أشراف من بني عبد مناف من الكفار إلى أبي طالب، فقالوا : يا أبا طالب لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وحلفاءنا، فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا، كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقنا له قال : فأتى أبو طالب النبيّ ﷺ، فحدثه بالذي كلموه به، فقال عمر بن الخطاب : لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون وإلام يصيرون من قولهم فأنزل الله تعالى هذه الاَية : وأنْذِرْ بِهِ الّذِينَ يَخافُون أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبّهِمْ لَيْس لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . . إلى قوله : ألَيْسَ اللّهُ بأعْلَمَ بالشّاكِرِينَ. قال : وكانوا : بلالاً وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة وصبيحا مولى أسيد ومن الحلفاء : ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، ومسعود، ابن القاري، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمر ذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد، وأبو مرثد من غنيّ حليف حمزة بن عبد المطلب، وأشباههم من الحفاء. ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء : وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا. . . الاَية فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مقالته، فأنزل الله تعالى : وَإذَا جاءَكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ. . . الاَية.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : قال رجل للنبيّ ﷺ : إني أستحيي من الله أن يراني مع سلمان وبلال وذويهم، فاطردهم عنك وجالس فلانا وفلانا قال : فنزل القرآن : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ فقرأ حتى بلغ : فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ ما بينك وبين أن تكون من الظالمين إلاّ أن تطردهم. ثم قال : وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا ألَيْسَ اللّهُ بأعْلَمَ بالشّاكِرِينَ. ثم قال : وهؤلاء الذين أمروك أن تطردهم فأبلغهم منى السلام وبشّرهم، وأخبرهم أني قد غفرت لهم وقرأ : وَإذَا جاءَكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبّكُمْ على نَفْسِهِ الرّحْمَةَ فقرأ حتى بلغ : وكذَلِكَ نُفصّلُ الآيات ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ قال : لتعرفها.
واختلف أهل التأويل في الدعاء الذي كان هؤلاء الرهط الذين نهى الله نبيه ﷺ عن طردهم يدعون ربهم به، فقال بعضهم : هي الصلوات الخمس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ يعني : يعبدون ربهم بالغداة والعشيّ، يعني الصلوات المكتوبةبة.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال، قال : حدثنا حماد، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، في قوله : يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ قال : هي الصلوات الخمس الفرائض، ولو كان يقول القصّاص هلك من لم يجلس إليهم.
حدثنا هناد بن السريّ وابن وكيع، قالا : حدثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ قال : هي الصلاة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ الصلاة المفروضة : الصبح والعصر.
حدثني موسى بن عبد الرحمن الكندي، قال : حدثنا حسن الجعفي، قال : أخبرني حمزة بن المغيرة، عن حمزة بن عيسى، قال : دخلت على الحسن فسألته، فقلت : يا أبا سعيد، أرأيت قول الله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ أهم هؤلاء القصّاص ؟ قال : لا، ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسين قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ قال : الصلاة المكتو

تفسير هذه الآية من كتب أخرى