جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
ذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين قال المشركون له : لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا هناد بن السريّ، قال : حدثنا أبو زيد، عن أشعث، عن كُردوس الثعلبي، عن ابن مسعود، قال : مرّ الملأ من قريش بالنبيّ ﷺ وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك، هؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا، أنحن نكون تبعا لهؤلاء ؟ اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فنزلت هذه الاَية : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِيدونَ وَجْهَه وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ. . . إلى آخر الاَية.
حدثنا جرير، عن أشعث، عن كردوس الثعلبي، عن عبد الله، قال : مرّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ، ثم ذكر نحوه.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن كردوس، عن ابن عباس، قال : مر على رسول الله ﷺ ملأ من قريش، ثم ذكر نحوه.
حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العن قزي، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، عن أبي سعيد الأزديّ وكان قارىء الأزد عن أبي الكنود، عن خباب، في قول الله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . . إلى قوله : فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمينَ قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا النبيّ ﷺ قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب، في أناس من ضعفاء المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فقالوا : إنا نحبّ أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال :«نَعَمْ » قالوا : فاكتب لنا عليك بذلك كتابا قال : فدعا بالصحيفة، ودعا عليّا ليكتب، قال : ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الاَية : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ، ثم قال : وكذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهُؤَلاءِ مَنّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا ألَيْسَ اللّهُ بأعْلَمَ بالشّاكِرِينَ، ثم قال : وَإذا جاءَكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبّكُمْ على نَفْسِهِ الرّحْمَةَ. فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة من يده، ثم دعانا، فأتيناه وهو يقول : سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبّكُمْ على نَفْسِهِ الرّحْمَةَ. فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحيَاةِ الدّنْيا قال : فكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، عن أبي سعيد الأزديّ، عن أبي الكنود، عن خباب بن الأرق، بنحو حديث الحسين بن عمرو إلاّ أنه قال في حديثه : فلما رأوهم حوله نَفّروهم، فأتوه فخَلَوا به. وقال أيضا : فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ، ثم ذكر الأقرع وصاحبه، فقال : وكَذَلكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ. . . الاَية. وقال أيضا : فدعانا فأتيناه وهو يقول :«سَلامٌ عَلَيْكُمْ » فدنونا منه يومئذٍ حتى وضعنا ركبنا على ركبتيه، وسائر الحديث نحوه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، وحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة والكلبي : أن ناسا من كفار قريش قالوا للنبيّ ﷺ : إن سَرّكَ أن نتبعك فاطرد عنا فلانا وفلانا ناسا من ضعفاء المسلمين. فقال الله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِيدونَ وَجْهَه.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ. . . إلى قوله : وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ. . . الاَية، قال : وقد قال قائلون من الناس لرسول الله ﷺ : يا محمد إن سرّك أن نتبعك فاطرد عنا فلانا وفلانا لأناس كانوا دونهم في الدنيا ازدراهم المشركون. فأنزل الله تعالى هذه الاَية إلى آخرها.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ بلال وابن أمّ عبد كانا يجالسان محمدا ﷺ، فقالت قريش محقرتهما : لولاهما وأمثالهما لجالسناه فنهي عن طردهم، حتى قوله : ألَيْسَ اللّهُ بأعْلَمَ بالشّاكِرِينَ قال : قل سلام عليكم فيما بين ذلك في هذا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، قال : قال سعيد : نزلت هذه الاَية في ستة من أصحاب النبيّ ﷺ، منهم ابن مسعود، قال : كنا نسبق إلى النبيّ ﷺ، وندنو منه ونسمع منه، فقالت قريش : يُدْني هؤلاء دوننا ؟ فنزلت : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، في قوله : وأنْذِرْ بِهِ الّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبّهِمْ. . . الاَية. قال : جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عديّ والحرث بن نوفل وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل في أشراف من بني عبد مناف من الكفار إلى أبي طالب، فقالوا : يا أبا طالب لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وحلفاءنا، فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا، كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقنا له قال : فأتى أبو طالب النبيّ ﷺ، فحدثه بالذي كلموه به، فقال عمر بن الخطاب : لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون وإلام يصيرون من قولهم فأنزل الله تعالى هذه الاَية : وأنْذِرْ بِهِ الّذِينَ يَخافُون أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبّهِمْ لَيْس لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . . إلى قوله : ألَيْسَ اللّهُ بأعْلَمَ بالشّاكِرِينَ. قال : وكانوا : بلالاً وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة وصبيحا مولى أسيد ومن الحلفاء : ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، ومسعود، ابن القاري، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمر ذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد، وأبو مرثد من غنيّ حليف حمزة بن عبد المطلب، وأشباههم من الحفاء. ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء : وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا. . . الاَية فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مقالته، فأنزل الله تعالى : وَإذَا جاءَكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ. . . الاَية.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : قال رجل للنبيّ ﷺ : إني أستحيي من الله أن يراني مع سلمان وبلال وذويهم، فاطردهم عنك وجالس فلانا وفلانا قال : فنزل القرآن : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ فقرأ حتى بلغ : فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ ما بينك وبين أن تكون من الظالمين إلاّ أن تطردهم. ثم قال : وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا ألَيْسَ اللّهُ بأعْلَمَ بالشّاكِرِينَ. ثم قال : وهؤلاء الذين أمروك أن تطردهم فأبلغهم منى السلام وبشّرهم، وأخبرهم أني قد غفرت لهم وقرأ : وَإذَا جاءَكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبّكُمْ على نَفْسِهِ الرّحْمَةَ فقرأ حتى بلغ : وكذَلِكَ نُفصّلُ الآيات ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ قال : لتعرفها.
واختلف أهل التأويل في الدعاء الذي كان هؤلاء الرهط الذين نهى الله نبيه ﷺ عن طردهم يدعون ربهم به، فقال بعضهم : هي الصلوات الخمس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ يعني : يعبدون ربهم بالغداة والعشيّ، يعني الصلوات المكتوبةبة.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال، قال : حدثنا حماد، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، في قوله : يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ قال : هي الصلوات الخمس الفرائض، ولو كان يقول القصّاص هلك من لم يجلس إليهم.
حدثنا هناد بن السريّ وابن وكيع، قالا : حدثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ قال : هي الصلاة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ الصلاة المفروضة : الصبح والعصر.
حدثني موسى بن عبد الرحمن الكندي، قال : حدثنا حسن الجعفي، قال : أخبرني حمزة بن المغيرة، عن حمزة بن عيسى، قال : دخلت على الحسن فسألته، فقلت : يا أبا سعيد، أرأيت قول الله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ أهم هؤلاء القصّاص ؟ قال : لا، ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسين قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ قال : الصلاة المكتو
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾
قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين، قال المشركون له: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك!
* ذكر الرواية بذلك:
١٣٢٥٥ - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو زبيد، عن أشعث، عن كردوس الثعلبي، عن ابن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وعنده صهيب وعمار وبلال وخبّاب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك؟ هؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعًا لهؤلاء؟ اطردهم عنك! فلعلك إن طردتهم أن نتّبعك! فنزلت
١٣٢٥٦-......... حدثنا جرير، عن أشعث، عن كردوس الثعلبي، عن عبد الله قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه. (٢)
١٣٢٥٧ - حدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن كردوس، عن ابن عباس قال: مرّ على رسول الله ﷺ ملأ من قريش، ثم ذكر نحوه. (٣)
وهذا الخبر رواه أبو جعفر بثلاثة أسانيد، هذا واللذان يليانه... وأخرجه أحمد في مسنده رقم: ٣٩٨٥، من طريق أسباط، عن أشعث، عن كردوس، عن ابن مسعود، بمثله مختصرًا وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: "رواه أحمد والطبراني = وذكر زيادة الطبراني، وهي موافقة لما في التفسير = ورجال أحمد رجال الصحيح، غير كردوس، وهو ثقة". وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ١٢، وزاد نسبته لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وأبي نعيم في الحلية.
(٢) الأثر: ١٣٢٥٦ - وضعت نقطًا في صدر هذا الإسناد، فإن أبا جعفر لا يدرك أن يروي عن"جرير بن عبد الحميد الضبي"، وإنما يروى عنه شيوخه، مثل"محمد بن حميد الرازي"، كما في الأثر رقم: ١٠، وغيره.
(٣) الأثر: ١٣٢٥٧ - في المطبوعة والمخطوطة: "عن كردس، عن ابن عباس" وهو خطأ لا شك فيه، فإن هذا الخبر لم يرو عن غير ابن مسعود، وكردوس لم يذكر أنه روى عن ابن عباس، والخبر لم ينسبه أحد في الكتب إلى غير عبد الله بن مسعود، وكردوس، هو"كردوس بن عباس الثعلبي" كما سلف في التعليق رقم: ١٣٢٥٥، وفي المخطوطة كتب"عن" بين"كردوس بن عباس"، من فوق، فكأنه زيادة من الناسخ. وهذا الخبر رواه أبو جعفر، غير مرفوع إلى عبد الله بن مسعود، فلا أدري أوهم الناسخ وأسقط، أم هكذا الرواية.
١٣٢٥٩- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود، عن خباب بن الأرت = بنحو حديث الحسين بن عمرو، إلا أنه قال في حديثه: فلما رأوهم حوله نفّروهم، فأتوه فخلَوا به. وقال أيضًا:"فتكون من الظالمين"، ثم ذكر الأقرع وصاحبه فقال:"وكذلك فتنا بعضهم ببعض" الآية. وقال أيضًا: فدعانا فأتيناه وهو يقول:"سلام عليكم"، فدنونا منه يومئذ حتى وَضعنا ركبنا على ركبتيه = وسائر الحديث نحوه. (٢)
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ١٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وأبي يعلى، وأبي نعيم في الحلية، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل.
(٢) الأثر: ١٣٢٥٩ -"أبو سعيد الأزدي"، هو"أبو سعيد الأرحبي"، وهو الذي سلف في الأثر السابق، وهو"أبو سعد" هناك، ولكنه هنا"أبو سعيد"، وكلاهما صواب كما أسلفت.
١٣٢٦١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ" إلى قوله:"وكذلك فتنا بعضهم ببعض" الآية، قال: وقد قال قائلون من الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إن سرك أن نتبعك فاطرد عنا فلانًا وفلانًا = لأناس كانوا دونهم في الدنيا، ازدراهم المشركون، فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية إلى آخرها.
١٣٢٦٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، بلال وابن أم عبد، كانا يجالسان محمدًا صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش محقِّرتهما: لولاهما وأمثالهما لجالسناه! فنُهي عن طردهم، حتى قوله:"أليس الله بأعلم بالشاكرين"، قال:"قل سلام عليكم"، فيما بين ذلك، في هذا.
١٣٢٦٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه قال، قال سعد: نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم ابن مسعود، قال: كنا نسبق إلى النبي ﷺ وندنو منه ونسمع منه، فقالت قريش: يدني هؤلاء دوننا! فنزلت:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي". (١)
"المقدام بن شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي". ثقة. مترجم في التهذيب.
وأبوه"شريح بن هانئ بن يزيد الحارث"، أدرك رسول الله ﷺ ولم يره، وروى عن أبيه، وعمر، وعلي، وبلال، وسعد، وأبي هريرة، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة. مترجم في التهذيب. و"سعد" هو"سعد بن أبي وقاص"، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "سعيد"، وهو خطأ. وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه ١٥: ١٨٧ من طريقين، من طريق سفيان، عن المقدام ابن شريح = وعن طريق إسرائيل، عن المقدام. ورواه ابن ماجه في سننه ص ١٣٨٣ رقم: ٤١٢٨، من طريق قيس بن الربيع، عن المقدام بن شريح، بمثله، بغير هذا اللفظ. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ١٣، وزاد نسبته لأحمد، والفريابي، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والحاكم، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الدلائل.
(٢) في المطبوعة: "وكانوا بلالا... وسالما... وصبيحا"، بالنصب، كما في الدر المنثور، وابن كثير، ولكن الذي في المخطوطة هو الصواب الجيد. هذا إن صح أن هذه الرواية هي الصواب، وإلا فإني وجدت في الإصابة، في ترجمة"صبيح" هذا وفيه: "عن حجاج، عن ابن جريج، وفيه: كانوا ثلاثة، عمار بن ياسر، وسالم مولى أبي حذيفة، وصبيح". فإن صح هذا، كان خطأ قوله"بلال"، وإنما صوابه"ثلاثة"، ولكنني لا أستطيع أن أرجح ذلك الآن.
١٣٢٦٥ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أستحيي من الله أن يرَاني مع سلمان وبلال وذَوِيهم، (٢) فاطردهم عنك، وجالس فلانًا وفلانًا! قال فنزل القرآن:" ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه" فقرأ، حتى بلغ:"فتكون من الظالمين"، ما بينك وبين أن تكون من الظالمين إلا أن تطردهم. ثم قال:"وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين". ثم قال: وهؤلاء الذين أمروك أن تطردهم، فأبلغهم منّي السلام، وبشرهم وأخبرهم أني قد غفرت لهم! وقرأ:"وإذا جاءك الذين يؤمنون
و"واقد بن عبد الله الحنظلي التميمي"، حليف بني عدي بن كعب. و"عمرو بن عبد عمرو بن فضلة الخزاعي"، "ذو الشمالين"، حليف بني زهرة. وقد روي أن عمارًا قال: "كان مع رسول الله ﷺ ثلاثة كلهم أضبط: ذو الشمالين، وعمر بن الخطاب، وأبو ليلى"، و"الأضبط": الذي يعمل بيديه جميعًا.
(٢) قوله: "وذويهم" يعني: أصحابهم وأشباههم، وقد أسلفت في الجزء ٣: ٢٦١، تعليق: ٢، أن للنحاة كلامًا كثيرًا، ودعوى أن إضافة"ذو" إلى الضمير، يكون في ضرورة الشعر، وقلت إنه أتى في النثر قديمًا، وهذا الخبر من أدلة ما قلت.
* * *
واختلف أهل التأويل في الدعاء الذي كان هؤلاء الرَّهط، الذين نهى الله نبيَّه ﷺ عن طردهم، يدعون ربّهم به.
فقال بعضهم: هي الصلوات الخمس. (١)
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٦٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ"، يعني: يعبدون ربّهم ="بالغداة والعشيّ"، يعني: الصلوات المكتوبة.
١٣٢٦٧- حدثنا المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن أبي حمزة، عن إبراهيم في قوله:"يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه"، قال: هي الصلوات الخمس الفرائض. ولو كان ما يقول القُصَّاص، (٢) هلك من لم يجلس إليهم.
١٣٢٦٨ - حدثنا هناد بن السري وابن وكيع قالا حدثنا ابن فضيل،
(٢) كان في المطبوعة والمخطوطة: "ولو كان يقول القصاص" بإسقاط"ما" وهو خطأ.
"القصاص" جمع"قاص"، وهو الذي يتصدر في مسجد أو غيره، ثم يأخذ يعظ الناس، ويذكرهم بأخبار الماضين، فربما دخل قصصه الزيادة والنقصان، ولذلك جاء في الحديث: "القاص ينتظر المقت". وفي الحديث: "إن بني إسرائي لما قصوا هلكوا"، يعني: لما تزيدوا في الخبر والحديث وكذبوا، وهذا من شر الفعل، ولكن ما دخلت فيه بنو إسرائيل فعذبهم الله وأهلكهم به، ودخلناه نحن سعيًا، فعاقبنا الله بشتات أمرنا، وضعف علمائنا، وذهاب هيبتنا من صدور أعدائنا.
فاللهم اهدنا سواء سبيلك. ثم انظر الأثر التالي رقم: ١٣٢٧٠، والأثر: ١٣٢٢٧٧، ١٣٢٨٢
١٣٢٦٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، الصلاة المفروضة، الصبح والعصر.
١٣٢٧٠ - حدثني محمد بن موسى بن عبد الرحمن الكندي قال، حدثنا حسين الجعفي قال، أخبرني حمزة بن المغيرة، عن حمزة بن عيسى قال: دخلت على الحسن فسألته فقلت: يا أبا سعيد، أرأيت قول الله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: ٢٨]، أهم هؤلاء القُصّاص؟ قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة. (١)
١٣٢٧١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا ورقاء = جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: الصلاة المكتوبة.
١٣٢٧٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: يعبدون ربّهم ="بالغداة والعشي"، يعني الصلاة المفروضة.
١٣٢٧٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن
وأما "حمزة بن عيسى"، فلم أجد في الرواة من يسمى بذلك، وأرجح أن الناسخ أخطأ، فأعاد كتابة"حمزة"، فاختلط الاسم، فلا يصححه إلا أن يوجد في مكان آخر.
١٣٢٧٤ - حدثني ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا يحيى بن أيوب قال، حدثنا محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله بن عمر في هذه الآية: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ الآية، أنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبة. (١)
١٣٢٧٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد وإبراهيم: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، قالا الصلوات الخمس.
١٣٢٧٦-حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
١٣٢٧٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: المصلين المؤمنين، بلال وابن أم عبد = قال ابن جريج، وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلّم الإمام ابتدر الناس القاصَّ، فقال سعيد: ما أسرعَ بهم إلى هذا المجلس! (٢) قال مجاهد: فقلت يتأولون ما قال الله تعالى ذكره. قال: وما قال؟ قلت:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: وفي هذا ذَا؟ إنما ذاك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، إنما ذاك في الصلاة.
(٢) في المطبوعة: "ما أسرعهم إلى هذا المجلس"، وفي المخطوطة: "ما أسرع إلى هذا المجلس"، فرأيت أن يكون الصواب ما أثبت.
١٣٢٧٩ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر قال: هي الصلاة.
١٣٢٨٠- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع، عن أبيه، عن إسرائيل، عن عامر قال: هي الصلاة.
١٣٢٨١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه"، يقول: صلاة الصبح وصلاة العصر.
١٣٢٨٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد قال: صلى عبد الرحمن بن أبي عمرة في مسجد الرسول، فلما صلى قامَ فاستند إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فانثال الناس عليه، فقال: يا أيها الناس، إليكم! فقيل: يرحمك الله، إنما جاؤوا يريدون هذه الآية: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: ٢٨]. فقال: وهذا عُنِي بهذا! إنما هو في الصلاة. (٢)
وسيأتي هذا الأمر مطولا برقم: ١٣٢٨٢.
(٢) الأثر: ١٣٢٨٢ هو مطول الأثر السالف رقم: ١٣٢٧٨. وقوله: "انثال عليه الناس": تتابعوا عليه وتقاطروا من كل ناحية.
وهذا الخبر، دليل على صحة معرفة أئمتنا السالفين بحق دينهم، وحق كتابهم المنزل عليهم من ربهم = ودليل أيضًا على فساد ما وقع فيه علماؤنا وكتابنا، ومن تعرض منا لكتاب الله بالهوى، حتى صار هذا المرفوض الذي رفضه الأئمة، حجة يستدل بها الجهال من الصوفية وأهل المخرقة بالولايات وادعاء الكرامات. فاللهم باعد بيننا وبين الجهالة، واحملنا على سواء السبيل.
* * *
هذا وهذه الأخبار التي ذكرها هنا، وفسر فيها آية سورة الكهف: ٢٨، لم يرو أكثره في تفسير"سورة الكهف"، وهذا باب من أبواب اختصار أبي جعفر تفسيره هذا.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٨٣ - حدثني محمد بن سعد، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وكذلك فتنا بعضهم ببعض" الآية، فهم أناس كانوا مع النبيّ ﷺ من الفقراء، فقال أناس من أشراف الناس: نؤمن لك، وإذا صلينا فأخِّر هؤلاء الذين معك فليصلُّوا خلفنا!
* * *
وقال آخرون: بل معنى"دعائهم" كان، ذكرُهم الله تعالى ذكره.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٨٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع = عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قوله:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: أهل الذكر.
١٣٢٨٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن منصور:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: هم أهل الذكر.
١٣٢٨٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: لا تطردهم عن الذكر.
* * *
وقال آخرون: بل كان ذلك، تعلمهم القرآن وقراءته.
* ذكر من قال ذلك:
* * *
وقال آخرون: بل عنى بدعائهم ربّهم، عبادتهم إياه.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٨٨ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:" يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: يعني: يعبدون، ألا ترى أنه قال: لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [سورة غافر: ٤٣]، يعني: تعبدون. (٢)
* * *
ما أثبته: "من الذي يقص على"، ثم وصل الكلام، فأساء وخان وأفسد!! وهذا الكلام جملتان منفصلتان، الأولى: "كان يقرئهم القرآن" والأخرى الاستفهام: "من الذي يقص على النبي صلى الله عليه وسلم"، وكلتاهما رد على من تأول الآية، على أنها مراد بها القصاص وهم الوعاظ، كما يظهر من الآثار: ١٣٢٦٧، ١٣٢٧٠، ١٣٢٧٧، ١٣٢٨٢، وأن النبي ﷺ كان يقرئ هؤلاء القرآن، فأمر أن يصبر نفسه معهم. ولو كان مرادًا بالآية القصاص، لكان النبي ﷺ مأمورًا أن يصبر نفسه مع من يجلس يعظه ويذكره بالله - بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم! فلذلك قال: "من الذي يقص على النبي صلى الله عليه وسلم! "، أي: من هذا الذي يعظ رسول الله ويذكره بالله وبأيام الله؟!
وهذه حجة مبينة في فساد من تأول الآية على غير الوجه الصحيح الذي أجمعت عليه الحجة.
(٢) هكذا جاءت الآية في المخطوطة والمطبوعة، وأنا أكاد أقطع بأن ذلك خطأ، من سهو راو أو سهو من أبي جعفر نفسه، وأرجح أنه أراد آية"سورة غافر: ٦٦
﴿قُلْ إنّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدُ الذِّيِنَ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللهِ﴾
أما الآية التي استبدل بها، فلا يستقيم أن يكون الدعاء فيها بمعنى العبادة.
ولا قول أولى بذلك بالصحة، من وصف القوم بما وصفهم الله به: من أنهم كانوا يدعون ربهم بالغداة والعشي، فيعمُّون بالصفة التي وصفهم بها ربهم، ولا يخصُّون منها بشيء دون شيء.
فتأويل الكلام إذًا: يا محمد، أنذر القرآن الذي أنزلته إليك، الذين يعلمون أنهم إلى ربهم محشورون = فهم من خوف ورودهم على الله الذي لا شفيع لهم من دونه ولا نصير، في العمل له دائبون (٢) = إذ أعرض عن إنذارك واستماع ما أنزل الله عليك المكذبون بالله واليوم الآخر من قومك، استكبارًا على الله = ولا تطردهم ولا تُقْصِهم، فتكون ممن وضع الإقصاء في غير موضعه، فأقصى وطرد من لم يكن له طرده وإقصاؤه، وقرّب من لم يكن له تقديمه بقربه وإدناؤه، فإن الذين نهيتُك عن طردهم هم الذين يدعون ربهم فيسألونه عفوه ومغفرته بصالح أعمالهم، وأداء ما ألزمهم من فرائضه، ونوافل تطوّعهم، وذكرهم إياه بألسنتهم بالغداة
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "دائمون"، وأرجح أن الذي أثبت هو الصواب.
* * *
وقوله:"فتطردهم"، جواب لقوله:"ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء".
وقوله:"فتكون من الظالمين" جواب لقوله:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم".
* * *