لطائف الإشارات — القشيري
عن الكتاب
هذه وصية له - صلى الله عليه وسلم - في باب الفقراء والمستضعفين، وذلك لما قَصَرُوا لسان المعارضة عن استدفاع ما كانوا بصدده من أمر إخلاء الرسول - صلوات الله عليه وسلامه - مجلسه منهم، وسكنوا متضرعين بقلوبهم بين يدي الله أرادَ أنْ يُبَيِّن له أَثرَ حُسْنِ الابتهال فتولَّى - سبحانه - خصيمتهم.
وقال :﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ : لا تنظر يا محمد إلى خِرقتهم على ظاهرهم وانظر إلى حرقتهم في سرائرهم.
ويقال كانوا مستورين بحالتهم فشهرهم بأن أظهر قصتهم، ولولا أنه - سبحانه - قال :﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ فشهد لهم بالإرادة وإلا فمن يتجاسر أن يقول إن شخصاً مخلوقاً يريد الحق سبحانه ؟
ويقال إذا كانت الإرادة لا تتعلق - في التحقيق - إلا بالحدوث، وحقيقة الصمدية متقدسة عن الاتصاف بالحدثان، فمن المعلوم أن هذه الإرادة ليست بمعنى المشيئة، ولا كاشتقاق أهل اللغة لها.
فيقال تكلم الناس في الإرادة : وأكثر تحقيقها أنها احتياج يحصل في القلوب يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله ؛ فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ولا يجد من دون وصوله إليه - سبحانه - سكوناً ولا قراراً، كما قال قائلهم :
ويقال تقيَّدت دعوتهم بالغداة والعشيّ لأنها من الأعمال الظاهرة، والأعمالُ الظاهرة مؤقتة، ودامت إرادتهم فاستغرقت جميع أوقاتهم لأنها من الأحوال الباطنة، والأحوال الباطنة مسرمدة غير مؤقتة، فقال :﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِىِّ﴾ ثم قال :﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي مريدين وجهه فهي في موضع الحال.
ويقال أصبحوا ولا سؤال لهم من دنياهم، و لا مطالبة من عقباهم، ولا همَّ سوى حديث مولاهم، فلما تجردوا لله تمحضت عناية الحق لهم، فتولَّى حديثهم وقال : ولا تطردهم - يا محمد - ثم قال : ما عليك من حسابهم من شيء ؛ فالفقير خفيف الظهر لا يكون منه على أحد كثير مؤنة ؛ قال تعالى :﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيء﴾ لا تطالب بحسابهم ولا يطالبون بحسابك، بل كلٌّ يتولى الحقُّ - سبحانه - حسابَه ؛ فإِن كان أمره خيراً فهو ملاقيه، وإن كان شراً فهو مقاسيه.
وقال :﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ : لا تنظر يا محمد إلى خِرقتهم على ظاهرهم وانظر إلى حرقتهم في سرائرهم.
ويقال كانوا مستورين بحالتهم فشهرهم بأن أظهر قصتهم، ولولا أنه - سبحانه - قال :﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ فشهد لهم بالإرادة وإلا فمن يتجاسر أن يقول إن شخصاً مخلوقاً يريد الحق سبحانه ؟
ويقال إذا كانت الإرادة لا تتعلق - في التحقيق - إلا بالحدوث، وحقيقة الصمدية متقدسة عن الاتصاف بالحدثان، فمن المعلوم أن هذه الإرادة ليست بمعنى المشيئة، ولا كاشتقاق أهل اللغة لها.
فيقال تكلم الناس في الإرادة : وأكثر تحقيقها أنها احتياج يحصل في القلوب يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله ؛ فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ولا يجد من دون وصوله إليه - سبحانه - سكوناً ولا قراراً، كما قال قائلهم :
| ثم قطعتُ الليلَ في مَهْمَةٍ | لا أسداً أخشى ولا ذيبا |
| يغلبني شوقي فأطوي السُّرى | ولم يَزَلْ ذو الشوق مغلوبا |
ويقال أصبحوا ولا سؤال لهم من دنياهم، و لا مطالبة من عقباهم، ولا همَّ سوى حديث مولاهم، فلما تجردوا لله تمحضت عناية الحق لهم، فتولَّى حديثهم وقال : ولا تطردهم - يا محمد - ثم قال : ما عليك من حسابهم من شيء ؛ فالفقير خفيف الظهر لا يكون منه على أحد كثير مؤنة ؛ قال تعالى :﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيء﴾ لا تطالب بحسابهم ولا يطالبون بحسابك، بل كلٌّ يتولى الحقُّ - سبحانه - حسابَه ؛ فإِن كان أمره خيراً فهو ملاقيه، وإن كان شراً فهو مقاسيه.