زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ روى سعد بن أبي وقاص قال : نزلت هذه الآية في ستة : فيَّ، وفي ابن مسعود، وصهيب، وعمار، والمقداد، وبلال. قالت قريش لرسول الله ﷺ : إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهؤلاء، فاطردهم عنك. فدخل على رسول الله من ذلك ما شاء الله أن يدخل، فنزلت هذه الآية.
وقال خباب بن الأرت : نزلت فينا، كنا ضعفاء عند النبي ﷺ، يعلمنا بالغداة والعشي ما ينفعنا، فجاء الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، فقالا : إنا من أشراف قومنا، وإنا نكره أن يرونا معهم، فاطردهم إذا جالسناك. قال :" نعم " فقالوا : لا نرضى حتى تكتب بيننا كتابا، فأتُي بأديم ودواة، ودعا عليا ليكتب، فلما أراد ذلك، ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بقوله تعالى :﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ إلى قوله :﴿فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، فرمى بالصحيفة ودعانا، فأتيناه وهو يقول :﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. فدنونا منه يومئذ حتى وضعنا ركبنا على ركبته. وقال ابن مسعود : مر الملأ من قريش على رسول الله ﷺ وعنده خباب، وصهيب، وبلال، وعمار، فقالوا : يا محمد، رضيت بهؤلاء، أتريد أن نكون تبعا لهم ؟ ! فنزلت :﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾. وقال عكرمة : جاء عتبة، وشيبة ابنا ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل، في أشراف بني عبد مناف، إلى أبي طالب فقالوا : لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وعبيدنا كان أعظم في صدورنا، وأدنى لاتباعنا إياه، فأتاه أبو طالب فحدثه بذلك، فقال عمر بن الخطاب : لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون، فنزلت هذه الآيات، فأقبل عمر يعتذر من مقالته. وروى أبو صالح عن ابن عباس : أن هذه الآيات نزلت في الموالي، منهم بلال، وصهيب، وخباب، وعمار، ومهجع، وسلمان، وعامر بن فهيرة، وسالم مولى أبي حذيفة ؛ وأن قوله :﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبّهِمْ﴾ نزلت فيهم أيضا. وقد روى العوفي عن ابن عباس : أن ناسا من الأشراف قالوا للنبي ﷺ : نؤمن لك، وإذا صلينا فأخر هؤلاء الذين معك، فليصلوا خلفنا. فعلى هذا، إنما سألوه تأخيرهم عن الصف، وعلى الأقوال التي قبله، سألوه طردهم عن مجلسه.
قوله تعالى :﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ في هذا الدعاء خمسة أقوال :
أحدها : أنه الصلاة المكتوبة، قاله ابن عمر، وابن عباس. وقال مجاهد : هي الصلوات الخمس ؛ وفي رواية عن مجاهد، وقتادة قالا : يعني صلاة الصبح والعصر. وزعم مقاتل أن الصلاة يومئذ كانت ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي ؛ ثم فرضت الصلوات الخمس بعد ذلك.
والثاني : أنه ذكر الله تعالى، قاله إبراهيم النخعي، وعنه كالقول الأول.
والثالث : أنه عبادة الله، قاله الضحاك.
والرابع : أنه تعلم القرآن غدوة وعشية، قاله أبو جعفر.
والخامس : أنه دعاء الله بالتوحيد، والإخلاص له، وعبادته، قاله الزجاج. وقرأ الجمهور :﴿بِالْغَدَاةِ﴾ ؛ وقرأ ابن عامر ها هنا وفي ( الْكَهْفِ ) أيضا :" بالغدوة " بضم الغين وإسكان الدال وبعدها واو.
قال الفراء : والعرب لا تدخل الألف واللام على " الغدوة "، لأنها معرفة بغير ألف ولام، ولا تضيفها العرب يقولون : أتيتك غداة الخميس، ولا يقولون : غدوة الخميس، فهذا دليل على أنها معرفة.
وقال أبو علي : الوجه : الغداة، لأنها تستعمل نكرة، وتتعرف باللام ؛ وأما غدوة، فمعرفة.
وقال الخليل : يجوز أن تقول : أتيتك اليوم غدوة وبكرة، فجعلها بمنزلة ضحوة، فهذا وجه قراءة ابن عامر.
فإن قيل : دعاء القوم كان متصلا بالليل والنهار، فلماذا خص الغداة والعشي ؟ فالجواب : أنه نبه بالغداة على جميع النهار، وبالعشي على الليل، لأنه إذا كان عمل النهار خالصا له، كان عمل الليل أصفى.
قوله تعالى :﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ قال الزجاج : أي يريدون الله، فيشهد الله لهم بصحة النيات، وأنهم مخلصون في ذلك.
وأما الحساب المذكور في الآية، ففيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه حساب الأعمال، قاله الحسن. والثاني : حساب الأرزاق. والثالث : أنه بمعنى الكفاية ؛ والمعنى : ما عليك من كفايتهم، ولا عليهم كفايتك.
قوله تعالى :﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن الأنباري : عظم هذا الأمر على النبي ﷺ، وخُوِفَ بالدخول في جملة الظالمين، لأنه كان قد هم بتقديم الرؤساء على الضعفاء.
وقال خباب بن الأرت : نزلت فينا، كنا ضعفاء عند النبي ﷺ، يعلمنا بالغداة والعشي ما ينفعنا، فجاء الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، فقالا : إنا من أشراف قومنا، وإنا نكره أن يرونا معهم، فاطردهم إذا جالسناك. قال :" نعم " فقالوا : لا نرضى حتى تكتب بيننا كتابا، فأتُي بأديم ودواة، ودعا عليا ليكتب، فلما أراد ذلك، ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بقوله تعالى :﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ إلى قوله :﴿فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، فرمى بالصحيفة ودعانا، فأتيناه وهو يقول :﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. فدنونا منه يومئذ حتى وضعنا ركبنا على ركبته. وقال ابن مسعود : مر الملأ من قريش على رسول الله ﷺ وعنده خباب، وصهيب، وبلال، وعمار، فقالوا : يا محمد، رضيت بهؤلاء، أتريد أن نكون تبعا لهم ؟ ! فنزلت :﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾. وقال عكرمة : جاء عتبة، وشيبة ابنا ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل، في أشراف بني عبد مناف، إلى أبي طالب فقالوا : لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وعبيدنا كان أعظم في صدورنا، وأدنى لاتباعنا إياه، فأتاه أبو طالب فحدثه بذلك، فقال عمر بن الخطاب : لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون، فنزلت هذه الآيات، فأقبل عمر يعتذر من مقالته. وروى أبو صالح عن ابن عباس : أن هذه الآيات نزلت في الموالي، منهم بلال، وصهيب، وخباب، وعمار، ومهجع، وسلمان، وعامر بن فهيرة، وسالم مولى أبي حذيفة ؛ وأن قوله :﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبّهِمْ﴾ نزلت فيهم أيضا. وقد روى العوفي عن ابن عباس : أن ناسا من الأشراف قالوا للنبي ﷺ : نؤمن لك، وإذا صلينا فأخر هؤلاء الذين معك، فليصلوا خلفنا. فعلى هذا، إنما سألوه تأخيرهم عن الصف، وعلى الأقوال التي قبله، سألوه طردهم عن مجلسه.
قوله تعالى :﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ في هذا الدعاء خمسة أقوال :
أحدها : أنه الصلاة المكتوبة، قاله ابن عمر، وابن عباس. وقال مجاهد : هي الصلوات الخمس ؛ وفي رواية عن مجاهد، وقتادة قالا : يعني صلاة الصبح والعصر. وزعم مقاتل أن الصلاة يومئذ كانت ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي ؛ ثم فرضت الصلوات الخمس بعد ذلك.
والثاني : أنه ذكر الله تعالى، قاله إبراهيم النخعي، وعنه كالقول الأول.
والثالث : أنه عبادة الله، قاله الضحاك.
والرابع : أنه تعلم القرآن غدوة وعشية، قاله أبو جعفر.
والخامس : أنه دعاء الله بالتوحيد، والإخلاص له، وعبادته، قاله الزجاج. وقرأ الجمهور :﴿بِالْغَدَاةِ﴾ ؛ وقرأ ابن عامر ها هنا وفي ( الْكَهْفِ ) أيضا :" بالغدوة " بضم الغين وإسكان الدال وبعدها واو.
قال الفراء : والعرب لا تدخل الألف واللام على " الغدوة "، لأنها معرفة بغير ألف ولام، ولا تضيفها العرب يقولون : أتيتك غداة الخميس، ولا يقولون : غدوة الخميس، فهذا دليل على أنها معرفة.
وقال أبو علي : الوجه : الغداة، لأنها تستعمل نكرة، وتتعرف باللام ؛ وأما غدوة، فمعرفة.
وقال الخليل : يجوز أن تقول : أتيتك اليوم غدوة وبكرة، فجعلها بمنزلة ضحوة، فهذا وجه قراءة ابن عامر.
فإن قيل : دعاء القوم كان متصلا بالليل والنهار، فلماذا خص الغداة والعشي ؟ فالجواب : أنه نبه بالغداة على جميع النهار، وبالعشي على الليل، لأنه إذا كان عمل النهار خالصا له، كان عمل الليل أصفى.
قوله تعالى :﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ قال الزجاج : أي يريدون الله، فيشهد الله لهم بصحة النيات، وأنهم مخلصون في ذلك.
وأما الحساب المذكور في الآية، ففيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه حساب الأعمال، قاله الحسن. والثاني : حساب الأرزاق. والثالث : أنه بمعنى الكفاية ؛ والمعنى : ما عليك من كفايتهم، ولا عليهم كفايتك.
قوله تعالى :﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن الأنباري : عظم هذا الأمر على النبي ﷺ، وخُوِفَ بالدخول في جملة الظالمين، لأنه كان قد هم بتقديم الرؤساء على الضعفاء.