محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٥١ من سورة الأنعام في ١٠١ كتاب من كتب التفسير، وإعرابها، و٢٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٥١ من سورة الأنعام

١٠١ كتاب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَأَنذِرْ بِهِ الّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوَاْ إِلَىَ رَبّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٌ لّعَلّهُمْ يَتّقُونَ﴾. .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : وأنْذِرْ يا محمد بالقرآن الذي أنزلناه إليك القوم الّذِينَ يَخافُون أنْ يحْشَروا إلى رَبّهِمْ علما منهم بأن ذلك كائن فهم مصدّقون بوعد الله ووعيده، عاملون بما يرضي الله، دائمون في السعي فيما ينقذهم في معادهم من عذاب الله. لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونهِ وَليّ أي ليس لهم من عذاب الله إن عذّبهم وليّ ينصرهم فيستنقذهم منه. وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم عند الله تعالى فيخلصهم من عقابه. لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ يقول : أنذرهم كي يتقوا الله في أنفسهم، فيطيعوا ربهم ويعملوا لمعادهم، ويحذروا سخطه باجتناب معاصيه. وقيل : وأنْذِرْ بِهِ الّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَروا ومعناه : يعلمون أنهم يْحْشَرونَ، فوضعت «المخافة » موضع «العلم » لأن خوفهم كان من أجل علمهم بوقوع ذلك ووجوده من غير شكّ منهم في ذلك. وهذا أمر من الله تعالى نبيه محمدا ﷺ بتعليم أصحابه ما أنزل الله إليه من وحيه وتذكيرهم والإقبال عليهم بالإنذار وصدّه عن المشركين به بعد الإعذار إليهم وبعد إقامة الحجة عليهم، حتى يكون الله هو الحاكم في أمرهم بما يشاء من الحكم فيهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وأنذر، يا محمد، بالقرآن الذي أنزلناه إليك، القومَ الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم، علمًا منهم بأن ذلك كائن، فهم مصدقون بوعد الله ووعيده، عاملون بما يرضي الله، دائبون في السعي، (١) فيما ينقذهم في معادهم من عذاب الله (٢)
="ليس لهم من دونه وليّ"، أي ليس لهم من عذاب الله إن عذبهم =،"وليّ"، ينصرهم فيستنقذهم منه، (٣) ="ولا شفيع"، يشفع لهم عند الله تعالى ذكره فيخلصهم من عقابه (٤) =" لعلهم يتقون"، يقول: أنذرهم كي يتقوا الله في أنفسهم، فيطيعوا ربهم، ويعملوا لمعادهم، ويحذروا سَخطه باجتناب معاصيه.
* * *
وقيل:"وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا"، ومعناه: يعلمون أنهم يحشرون، فوضعت"المخافة" موضع"العلم"، (٥) لأنّ خوفهم كان من أجل علمهم بوقوع ذلك ووجوده من غير شك منهم في ذلك. (٦)
* * *
(١) في المطبوعة: "دائمون في السعي"، والصواب ما في المخطوطة.
(٢) انظر تفسير"الإنذار" فيما سلف: ٢٩٠، ٣٦٩.
= وتفسير"الحشر" فيما سلف ص: ٣٤٦ - ٣٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير"ولى" فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
(٤) انظر تفسير"شفيع" فيما سلف ٨: ٥٨٠، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٥) انظر تفسير"الخوف" فيما سلف ٤: ٥٥٠/٨: ٢٩٨، ٢٩٩، ٣١٨/٩: ١٢٣، ٢٦٧.
(٦) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٣٦.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ أي : وأنذر بهذا القرآن يا محمد ﴿الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] والذين ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١].
﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي : يوم القيامة. ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ أي : يومئذ ﴿مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ أي : لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي : أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله، عَزَّ وجل ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قال الإمام أحمد : حدثنا أسباط - هو ابن محمد - حدثنا أشعث، عن كُرْدُوس، عن ابن مسعود قال : مر الملأ من قريش على رسول الله ﷺ، وعنده : خَبَّاب، وصُهَيْب، وبلال، وعمار. فقالوا : يا محمد، أرضيت بهؤلاء ؟ فنزل فيهم(٣) القرآن :﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله :﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾(٤) (٥)
ورواه ابن جرير، من طريق أشعث، عن كردوس، عن ابن مسعود قال : مر الملأ من قريش برسول الله ﷺ، وعنده : صهيب، وبلال، وعمار، وخباب، وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا : يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك ؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا ؟ ونحن نكون تبعا لهؤلاء ؟ اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فنزلت هذه الآية :﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ إلى آخر الآية(٦)


جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقال ابن جرير : حدثنا القاسم : حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جُرَيْج، عن عِكْرِمة في قوله :﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية، قال : جاء عُتْبَة بن رَبيعة، وشَيْبَة بن ربيعة، ومُطعِم بن عَدِيّ، والحارث بن نَوْفَل، وقَرَظَة بن عبد عمرو بن نوفل، في أشراف من بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب، لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا، فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا، كان أعظم(٦) في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه، وتصديقنا له. قال : فأتى أبو طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كلموه(٧) فقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه : لو فعلت ذلك، حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلى ما يصيرون من قولهم ؟ فأنزل الله،
عَزَّ وجل، هذه الآية :﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ [ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ]﴾(٨) إلى قوله :﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ قال : وكانوا بلالا وعمار بن ياسر، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وصبيحا مولى أسيد، ومن الحلفاء : ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، ومسعود بن القاري، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمرو، وذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد - وأبو مرثد من غنى حليف حمزة بن عبد المطلب - وأشباههم من الحلفاء. ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء :﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ الآية. فلما نزلت، أقبل عمر، رضي الله عنه، فاعتذر من مقالته، فأنزل الله، عَزَّ وجل :﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا [ فَقُلْ سَلامٌ ]﴾(٩) الآية(١٠)

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٥١ - ٥٥ } ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ * وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾
هذا القرآن نذارة للخلق كلهم، ولكن إنما ينتفع به ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فهم متيقنون للانتقال، من هذه الدار، إلى دار القرار، فلذلك يستصحبون ما ينفعهم ويدَعُون ما يضرهم. ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ أي : لا من دون الله ﴿وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي : من يتولى أمرهم فيحصّل لهم المطلوب، ويدفع عنهم المحذور، ولا من يشفع لهم، لأن الخلق كلهم، ليس لهم من الأمر شيء. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الله، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن الإنذار موجب لذلك، وسبب من أسبابه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٥١ - ٥٥} ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
هذا القرآن نذارة للخلق كلهم، ولكن إنما ينتفع به ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فهم متيقنون للانتقال، من هذه الدار، إلى دار القرار، فلذلك يستصحبون ما ينفعهم ويدَعُون ما يضرهم. ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: لا من دون الله ﴿وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ أي: من يتولى أمرهم فيحصّل لهم المطلوب، ويدفع عنهم المحذور، ولا من يشفع لهم، لأن الخلق كلهم، ليس لهم من الأمر شيء. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الله، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن الإنذار موجب لذلك، وسبب من أسبابه.
﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: لا تطرد عنك، وعن مجالستك، أهل العبادة والإخلاص، رغبة في مجالسة غيرهم، من الملازمين لدعاء ربهم، دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها، ودعاء المسألة، في أول النهار وآخره، وهم قاصدون بذلك وجه الله، ليس لهم من الأغراض سوى ذلك الغرض الجليل، فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم، بل مستحقون لموالاتهم ومحبتهم، وإدنائهم، وتقريبهم، لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء، والأعزاء في الحقيقة وإن كانوا -[٢٥٨]- عند الناس أذلاء.
﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: كلٌّ له حسابه، وله عمله الحسن، وعمله القبيح. ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وقد امتثل ﷺ هذا الأمر، أشد امتثال، فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين صبر نفسَه معهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وحسن خلقَه، وقربهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل مجلسه رضي الله عنهم.
وكان سبب نزول هذه الآيات، أن أناسا [من قريش، أو] من أجلاف العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نؤمن لك ونتبعك، فاطرد فلانا وفلانا، أناسا من فقراء الصحابة، فإنا نستحيي أن ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء، فحمله حبه لإسلامهم، واتباعهم له، فحدثته نفسه بذلك. فعاتبه الله بهذه الآية ونحوها.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠١ كتاب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ٥١ من سورة الأنعام

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الأنعام (٦) : آية ٤١]

بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١)
إِيَّاهُ نصب بتدعون فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ فعل مستقبل. وَتَنْسَوْنَ وتتركون مثل وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [طه: ١١٥] ويجوز أن يكون المعنى وتتركون فتكونون بمنزلة الناسين. وقرأ عبد الرحمن الأعرج. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ بضم الهاء على الأصل لأن الأصل أن تكون الهاء مضمومة كما تقول: جئت معه وقد ذكرنا توحيد الهاء.

[سورة الأنعام (٦) : آية ٤٩]

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)
قال الكسائي: يقال بغتهم الأمر يبغتهم بغتا وبغتة إذا أتاهم فجاءة وقرأ الحسن والأعمش الْعَذابُ بِما «١» مدغما وهكذا روي عن أبي عمرو مدغما وقرأ يحيى بن وثّاب والأعمش بِما كانُوا يَفْسُقُونَ «٢» بكسر السين وهي لغة معروفة.

[سورة الأنعام (٦) : آية ٥٢]

وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ جزم بالنهي وعلامة الجزم حذف الضمة وكسرت الدال لالتقاء الساكنين. يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ غداة نكرة فعرفت بالألف واللام وكتبت بالواو كما كتبت الصلاة بالواو وقرأ أبو عبد الرحمن السلميّ وعبد الله بن عامر ومالك بن دينار بِالْغَداةِ «٣» وباب غدوة أن تكون معرفة إلا أنه يجوز تنكيرها كما تنكّر الأسماء الأعلام فإذا نكّرت دخلتها الألف واللام للتعريف، وعشيّ وعشيّة نكرتان لا غير. ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ (من) الأولى للتبعيض والثانية زائدة للتوكيد وكذا. وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ جواب النفي. فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ جواب النهي.

[سورة الأنعام (٦) : آية ٥٣]

وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)
لام كي وهذا من المشكل يقال: كيف فتنوا ليقولوا هذا لأنه إن كان إنكارا فهو كفر منهم وفي هذا جوابان: أحدهما أنّ المعنى اختبرنا الأغنياء بالفقراء أن تكون مرتبتهم عند النبي صلّى الله عليه وسلّم واحدة ليقولوا على سبيل الاستفهام لا على سبيل الإنكار أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، والجواب الآخر أنهم لما اختبروا بهذا فآل عاقبته
(١) انظر البحر المحيط ٤/ ١٣٦.
(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ١٣٦.
(٣) انظر تيسير الداني ٨٥، والبحر المحيط ٤/ ١٣٩.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٥١ من سورة الأنعام

من كتاب: المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

٨٢ - قال اللَّه تعالى: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
١ - أخرج مسلم والنَّسَائِي وابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال كنا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ستة نفر فقال المشركون للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنتُ أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما شاء الله أن يقع. فحدث نفسه. فأنزل الله - عزَّ وجلَّ -: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).
وأخرج أحمد نحوه من حديث ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وزاد ونزل فيهم القرآن (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ) إلى قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ).
٢ - وأخرج ابن ماجه عن خباب في قوله: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) إلى قوله: (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حقروهم فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العربُ فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأَعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: (نعم) قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال: فدعا بصحيفة، ودعا علياً ليكتب، ونحن قعود في ناحية فنزل جبرائيل - عليه السلام - فقال: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ). ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ). ثم قال: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ).
قال: فدنونا منه حتى وضعنا رُكَبنا على ركبته. وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا. فأنزل الله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) (ولا تجالس الأشراف) (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) (يعني عيينة والأقرع) (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (قال هلاكاً) قال: أمر عيينة والأقرع. ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا.
قال خباب: فكنا نقعد مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات الكريمات وقد أورد القرطبي وابن عاشور هذين الحديثين، وسائر المفسرين أوردوا حديث خباب وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
قال الطبري: (ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين قال المشركون له: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك) اهـ.
قال ابن عطية: (وسبب الآية أن الكفار قال بعضهم للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحن لشرفنا وأقدارنا لا يمكننا أن نختلط بهؤلاء فلو طردتهم لاتبعناك وجالسناك) اهـ.
وقال القرطبي: (قال المشركون: ولا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء - يعنون سلمان وصهيباً وبلالاً وخبّابًا - فاطردهم عنك، وطلبوا أن يكتب لهم بذلك فهمَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك، ودعا علياً ليكتب فقام الفقراء وجلسوا ناحية فأنزل اللَّه الآية. ولهذا أشار سعد بقوله في الحديث الصحيح: فوقع في نفس رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما شاء اللَّه أن يقع) اهـ.
وقال السعدي: (وكان سبب نزول هذه الآيات أن أُناسًا من قريش أو من أجلاف العرب، قالوا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن أردت أن نؤمن لك ونتبعك فاطرد فلاناً وفلانًا أناساً من فقراء الصحابة فإنا نستحي أن ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء فحمله حبه لإسلامهم، واتباعهم له فحدثته نفسه بذلك فعاتبه اللَّه بهذه الآية ونحوها) اهـ.
وقال ابن عاشور: (والمعنى أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحرصه على إيمان عظماء قريش ليكونوا قدوة لقومهم ولعلمه بأن أصحابه يحرصون حرصه ولا يوحشهم أن يقاموا من المجلس إذا حضره عظماء قريش لأنهم آمنوا يريدون وجه اللَّه لا للرياء والسمعة ولكن اللَّه نهاه عن ذلك وسماه طرداً تأكيداً لمعنى النهي، وذلك لحكمة وهي كانت أرجح من الطمع في إيمان أولئك لأن اللَّه اطلع على سرائرهم فعلم أنهم لا يؤمنون، وأراد اللَّه أن يظهر استغناء دينه ورسوله عن الاعتزاز بأولئك الطغاة القساة، وليظهر لهم أن أولئك الضعفاء خير منهم وأن الحرص على قربهم من الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أولى من الحرص على قرب المشركين) اهـ.
وبعد نقل أقوال العلماء في سبب نزول الآيات الكريمة أقول:
إن حديث خباب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لا يصح أن يكون سبباً لنزول الآيات لاعتلال إسناده المفصل في موضعه وغرابة متنه أيضاً فقد قال ابن عطية لما ذكر حديث خباب: (وهذا تأويل بعيد في نزول الآية؛ لأن الآية مكية وهؤلاء الأشراف لم يفدوا إلا في المدينة، وقد يمكن أن يقع هذا القول منهم، ولكنه إن كان وقع
فبعد نزول الآية بمدة اللهم إلا أن تكون الآية مدنية) اهـ.
وقال ابن كثير عن حديث خباب: (وهذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية والأقرع ابن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر) اهـ.
وقال ابن عاشور معلقاً على قول ابن عطية: (ولعل ذلك وقع منهما فأجابهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهذه الآية التي نزلت في نظير اقتراحهما) اهـ.
وبهذا يتبين أن حديث خباب ليس سبب نزولها وإن انفككنا عن علة السند فغرابة المتن لا جواب عنها.
وإذا كان الأمر كذلك لم يبق إلا حديث سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - السالم من المعارضات في إسناده ومتنه، فالإسناد صحيح، والمتن صريح يتفق مع ظاهر السياق القرآني.
* النتيجة:
أن سبب نزول هذه الآيات حديث سعد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لصحة إسناده، وموافقته للفظ الآية، وتصريحه بالنزول، واحتجاج المفسرين به مع عدم المعارض الراجح واللَّه أعلم.
* * * * *

الموضوعات القرآنية للآية ٥١ من سورة الأنعام

٨ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآيات

١٦ قولًا
١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: مشى عُتبةُ بنُ ربيعة، وشيبةُ بن ربيعة، وقُرَظَةُ بن عبد عمرو بن نَوْفَل، والحارث بن عامر بن نوفل، ومُطعِمُ بن عَدِي بن الخيار بن نوفل، في أشراف الكفار مِن عبد مناف إلى أبي طالب، فقالوا: لو أنّ ابن أخيك طرَد عنا هؤلاء الأعبُد، فإنما هم عبيدُنا وعُسَفاؤُنا١؛ كان أعظمَ له في صدورنا، وأطوَعَ له عندَنا، وأدْنى لاتِّباعنا إيّاه وتصديقه. فذكر ذلك أبو طالب للنبي ﷺ، فقال عمر بن الخطاب: لو فعَلتَ ذلك -يا رسول الله- حتى نَنظرَ ما يُريدون بقولهم، وما يصيرون إليه مِن أمرِهم؟ فأنزل الله: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾ إلى قوله: ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾. قال: وكانوا بلالًا، وعمار بن ياسر، وسالِمًا مولى أبي حذيفة، وصَبيحًا مولى أسِيد، ومِن الحلفاء ابنُ مسعود، والمقدادُ بن عمرو، وواقِدُ بنُ عبد الله الحَنظَلي، وعمرُو بن عبد عمرو ذو الشِّمالَين، ومَرثَدُ بن أبي مَرثَدٍ وأشباهُهم، ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا﴾ الآية. فلما نزلت أقبلَ عمرُ بن الخطاب فاعتَذَر مِن مَقالته؛ فأنزل الله: ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا﴾ الآية٢
التخريج
  1. ١العسفاء: الأجراء، واحدهم عَسيف. النهاية (عسف).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٢٦٢-٢٦٣. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر-، ومحمد بن السائب الكلبي -من طريق معمر- أنّ ناسًا من كفار قريش قالوا للنبي - ﷺ -: إن سَرَّك أن نَتَّبعك فاطرد عنّا فلانًا وفلانًا -ناسًا من ضعفاء المسلمين-. فقال الله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩/ ٢٦١، وعبد الرزاق ٢/ ٢٠٨ عن قتادة.
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ إلى قوله: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض﴾الآية، قال: وقد قال قائلون من الناس لرسول الله ﷺ: يا محمد، إن سَرَّك أن نتَّبعك فاطرُد عنّا فلانًا وفلانًا -لأُناس كانوا دونهم في الدنيا ازدراهم المشركون-. فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى آخرها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٢٦١.
٤
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر الرازي- قال: كان رجالٌ يَستَبِقون إلى مجلس رسول الله ﷺ؛ منهم بلالٌ، وصُهيبٌ، وسَلمانُ، فيَجيءُ أشرافُ قومِه وسادتُهم، وقد أخذ هؤلاء المجلسَ، فيَجلسون ناحية، فقالوا: صُهيبٌ روميٌّ، وسلمانُ فارسيٌّ، وبلالٌ حَبشيٌّ، يَجلسون عنده، ونحن نجيء فنجلسُ ناحيةً! حتى ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ: إنّا سادةُ قومِك وأشرافُهم، فلو أدنَيتَنا منك إذا جئنا. قال: فهَمَّ أن يَفعل؛ فأنزل الله: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٩٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
٥
عن عمر بن عبد الله مولى غُفرَةَ أنّه قال في أُسْطُوانِ التَّوبة١: كان أكثرُ نافلة النبي ﷺ إليها، وكان إذا صلّى الصبحَ انصرَف إليها، وقد سبَق إليها الضعفاءُ والمساكينُ وأهلُ الضُّرِّ، وضِيفانُ النبي ﷺ، والمؤلَّفة قلوبُهم، ومَن لا مَبيت له إلا المسجد. قال: وقد تَحلَّقوا حَوْلَها حِلَقًا بعضُهم دونَ بعض، فيَنصرِفُ إليهم مِن مُصلّاه من الصبح، فيتلُو عليهم ما أنزل الله عليه مِن لَيلتِه، ويُحدِّثُهم ويُحدِّثونه، حتى إذا طلَعت الشمس جاء أهلُ الطَّولِ والشَّرفِ والغِنى، فلم يَجِدوا إليه مَخلَصًا، فتاقَت أنفسُهم إليه، وتاقت نفسُه إليهم؛ فأنزَل الله عز وجل: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ إلى منتهى الآيتين [الكهف:٣٨-٣٩]. فلمّا نزل ذلك فيهم قالوا: يا رسول الله، لو طردتَهم عنا ونكونَ نحن جُلساءَك وإخوانَك لا نُفارِقُك. فأنزل الله عز وجل: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ إلى منَتَهى الآيتين٢
التخريج
  1. ١الأُسْطُوان: جمع أسطوانة وهي السارية والعمود وشبهه. وأسطوان التوبة: مما يلي القبلة في المسجد النبوي، وسميت كذلك لأن أبا لبابة ارتبط إليها حتى أنزل الله توبته. ينظر: مسلم بشرح النووي ٧‏/‏٩٨، ووفاء الوفا ٢‏/‏٤٤٢، ولسان العرب (سطن).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى الزبير بن بكّار في أخبار المدينة. وينظر: وفاء الوفا ٢‏/‏٤٤٤-٤٤٥.
٦
عن محمد بن السائب الكلبي -من طريق مَعْمَر- في قوله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾، قال عيينة بن حصن للنبي ﷺ: إن سَرَّك أن نَتَّبعك فاطرُد عنك فلانًا وفلانًا؛ فإنه قد آذاني ريحُهم. يعني: بلالًا، وسلمان، وصهيبًا، وناسًا من ضعفاء المسلمين؛ فأنزل الله -تبارك وتعالى-: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾. قال: وأنزل في عيينة: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾ [الكهف:٢٨]١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٠٧-٢٠٨. وفي تفسير الثعلبي ٤‏/‏١٥٠: قالوا له: اجعل لنا يومًا ولهم يوم. قال: «لا أفعل». قالوا: فاجعل المجلس واحدًا، وأقبِل إلينا، وولِّ ظهرك عليهم. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾، نزلت في الموالي: [عمار]، وأبي ذر الغفاري، وسالم، ومهجع، والنمر بن قاسط١، وعامر بن فهيرة، وابن مسعود، وأبي هريرة، ونحوهم، وذلك أنّ أبا جهل وأصحابه قالوا: انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدًا من موالينا وأعرابنا رُذالَة٢ كلِّ حي وسفلتهم -يعنون: الموالي-، ولو كان لا يقبل إلا سادات الحي وسراة الموالي تابعناه. وذكروا ذلك لأبي طالب، فقالوا: قُل لابن أخيك أن يطرد هؤلاء الغرباء والسفلة حتى يجيبه سادات قومه وأشرافهم. قال أبو طالب للنبي ﷺ: لو طردت هؤلاء عنك لعل سُراة قومك يتَّبعونك. فأنزل الله: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾ الآيات٣
التخريج
  1. ١كذا في المطبوع! والمشهور أنه جدُّ قبيلة معروفة، ولعل المراد: صهيب الرومي، فهو ينسب إلى النمر بن قاسط. ينظر: تهذيب الكمال ١٣‏/‏٢٣٧.
  2. ٢رُذال كُلّ شَيْء: رَدِيئُه. مختار الصحاح (رذل).
  3. ٣تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥٦٢-٥٦٣.
٨
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: قال رجل للنبي ﷺ: إني أستحيي من الله أن يراني مع سلمان وبلال وذويهم، فاطردهم عنك، وجالس فلانًا وفلانًا. قال: فنزل القرآن: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿فتكون من الظالمين﴾، ما بينك وبين أن تكون من الظالمين إلا أن تطردهم. ثم قال: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾. ثم قال: وهؤلاء الذين أمروك أن تطردهم فأبلِغهم مِنِّي السلام، وبشِّرهم، وأخبرهم أني قد غفرت لهم. وقرأ: ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين﴾ قال: لتعرفها١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٢٦٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ تيمية (٣/٢٧) العموم في الآية، فقال: «وهذه الآية عامَّةٌ في كل مَن أراد اللهَ بعمله». وذكر أنّ هناك مَن قال بنزولها في أهل الصُّفَّة، وانتَقَده مستندًا لمخالفته لأحوال النزول؛ وذلك أن السورة مكية، وأهل الصفة كانوا بالمدينة.
٩
عن عبد الله بن مسعود -من طريق كُردوس الثعلبي- قال: مرَّ الملأُ مِن قريشٍ على النبي ﷺ وعندَه صهيبٌ، وعمار، وبلال، وخباب، ونحوُهم مِن ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيتَ بهؤلاء مِن قومِك، ﴿أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا﴾؟! أنحنُ نكونُ تبعًا لهؤلاء؟! اطرُدهم عنك، فلعلك إن طرَدتَهم أن نتَّبِعَك. فأنزل فيهم القرآن: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾ إلى قوله: ﴿والله أعلم بالظالمين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٧‏/‏٩٢ (٣٩٨٥)، وابن جرير ٩‏/‏٢٥٨-٢٥٩ واللفظ له. قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٢٠-٢١ (١٠٩٩٧): «رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير كردوس، وهو ثقة». وقال في كشف الأستار ٣‏/‏٤٨-٤٩ (٢٢٠٩): «قال البزار: لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد». وأورده الألباني في الصحيحة ٧‏/‏٨٧٤ (٣٢٩٧).
١٠
عن خبّاب بن الأرت -من طريق أبي الكَنُود- قال: جاء الأقرعُ بن حابس التميمي، وعُيَينةُ بن حِصن الفَزاري، فوجَدا النبي ﷺ قاعِدًا مع بلالٍ، وصُهيب، وعمار، وخبّاب في أناسٍ مِن ضُعفاء المؤمنين، فلما رأوهم حوله حَقَروهم، فأتَوه، فخلَوا به، فقالوا: إنّا نُحِبُّ أن تجعلَ لنا منك مَجْلِسًا تَعرِف لنا العربُ به فضلَنا، فإنّ وفودَ العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا العربُ قعودًا مع هؤلاء الأعبُد، فإذا نحنُ جئناك فأقِمهم عنّا، فإذا نحنُ فرَغنا فاقعُد معهم إن شِئتَ. قال: «نعم». قالوا: فاكتُب لنا عليك بذلك كتابًا. فدعا بالصحيفة، ودعا عليًّا لِيَكتُب، ونحنُ قُعودٌ في ناحية؛ إذ نزل جبريل بهذه الآية: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ إلى قوله: ﴿فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾. فألقى رسول الله ﷺ الصحيفةَ مِن يده، ثم دعانا، فأتيناه وهو يقول: ﴿سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾. فكُنّا نَقعدُ معه، فإذا أراد أن يقوم قام وترَكنا؛ فأنزل الله: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ الآية [الكهف:٢٨]. قال: فكان رسول الله ﷺ يَقعدُ معنا بعدُ، فإذا بلَغ الساعةَ التي يقومُ فيها قُمنا وتركناه حتى يقوم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن ماجه ٥‏/‏٢٤١-٢٤٣ (٤١٢٧)، وابن جرير ٩‏/‏٢٥٩-٢٦٠، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٩٧ (٧٣٣١)، ٤‏/‏١٣٠٠-١٣٠١ (٧٣٤٦). وأورده الثعلبي ٤‏/‏١٤٩. قال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٢٦٠: «وهذا حديث غريب». وقال البوصيري في مصباح الزجاجة ٤‏/‏٢١٩ (١٦٤١): «هذا إسناد صحيح». وقال الألباني في الصحيحة ٧‏/‏٨٧٦: «قول ابن كثير عندي أرجح وأقوى».
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابنُ عطية ٣/٣٦٥ ما قاله خبّاب مستندًا لمخالفته أحوال النزول، فقال: «وهذا تأويل بعيد في نزول الآية؛ لأنّ الآية مكية، وهؤلاء الأشراف لم يفدوا إلا في المدينة». ثم وجَّهه بقوله: «وقد يمكن أن يقع هذا القول منهم، ولكنه إن كان وقع فبعد نزول الآية بمُدَّة، اللهم إلا أن تكون الآية مدنية».
١١
عن سعد بن أبي وقاص -من طريق المقدام بن شريح، عن أبيه- قال: كُنّا مع النبي ﷺ سِتَّة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء؛ لا يَجْتَرِئُون علينا. قال: وكنت أنا، وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أُسَمِّيهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحَدَّث نفسه؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٤‏/‏١٨٧٨ (٢٤١٣)، وابن جرير ٩‏/‏٢٦٢، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٩٨ بنحوه.
١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق كُرْدُوس- قال: مَرَّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ، وعنده خبّاب، وبلال، وصهيب، فقالوا: أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا؟! أتأمرنا أن نكون تبعًا لهؤلاء؟! اطردهم عنك فلعلَّنا نتبعك. فأنزل الله: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾ إلى قوله: ﴿ولتستبين سبيل المجرمين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٢٥٩، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٩٦ (٧٣٢٦) واللفظ له، من طرقٍ عن أشعث بن سوّار، عن كردوس الثعلبي، عن ابن عباس به. إسناده ضعيف؛ فيه أشعث بن سوّار الكندي الأثرم، قال عنه ابن حجر في التقريب (٥٢٤): «ضعيف».
١٣
قال عبد الله بن عباس: ﴿يدعون ربهم﴾ يعني: يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة ﴿بالغداة والعشي﴾ يعني: صلاة الصبح، وصلاة العصر. وذلك أنّ ناسًا من الفقراء كانوا مع النبي ﷺ، فقال قوم من الأشراف: إذا صلَّيْنا فأخِّر هؤلاء، ولْيُصَلُّوا خلفنا. فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿ولا تطرد الذين... ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أورده الثعلبي ٤‏/‏١٥٠.
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: أتى العباسَ رجالٌ من قريش، فيهم صفوان بن أمية، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، فقالوا: إنّ رسول الله قد أدنى دوننا هذه العِبِدّى١ وسَفِلَةِ٢ أصحابه، فلو كلَّمته في ذلك، فكلمه العباس في ذلك، فقال: «يا عباس، ما أحَبَّ إلَيَّ ما سرَّهم، ولكن ليس إلَيَّ مِن ذلك شيء». فأنزل الله عز وجل: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ إلى آخر الآية. فدعا العباس، فتلاها عليه، فأتاهم، فأبلغهم، قالوا: فكلِّمه، فليجعل لنا أحد طرفي النهار فلنجلس معه ليس معنا منهم أحد. فذكر ذلك له العباس، فقال: «ما ذاك إلَيَّ». فأنزل الله -تبارك وتعالى-: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ إلى آخر الآية [الكهف:٢٨]. فدعا العباس، فتلاها عليه، فرجع العباس وقد اشتد جزعُه من ذلك، فأتى عليَّ بن أبي طالب، فقال: هلكتُ، واللهِ. وقصَّ عليه القصة، فقال له علي: وما يعرضك للتنزيل من الله؟! ألم أنهك عن ذلك؟! ومالك ولهذا؟ قال: أنشدك اللهَ، يا ابن أخي، لَما أدركتني؛ فقد هلكتُ، ائْت رسول الله ﷺ، فكلِّمه في شأني. فأتاه عليٌّ، فذكر له الذي لقي العباس، فقال رسول الله ﷺ: «إنّها لم تنزل فيه، إنّما نزلت في الذين بعثوه»٣
التخريج
  1. ١العِبِدّى: جماعة العبيد الذين وُلدوا في العُبودية. لسان العرب (عبد).
  2. ٢السَّفِلَة -بفتح السين وكسر الفاء-: السُّقاط من الناس. النهاية (سفل).
  3. ٣ذكره في الإيماء ٣‏/‏٥٤٤ (٢٩٢٨)، وعزاه لأمالي اليزيدي ص٩٢-٩٣. وقال: «الحسن بن عمارة متروك».
١٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾، قال: المُصَلِّين؛ بلالٌ، وابنُ أمِّ عبد، كانا يُجالسان محمدًا ﷺ، فقالت قريشٌ تَحقِرةً لهما: لولاهما وأشباهُهما لجالَسناه. فنُهِي عن طردِهم حتى قوله: ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٢٢، وأخرجه ابن جرير ٩‏/‏٢٦١، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٩٩. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
١٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: كان أشرافُ قريشٍ يأتون النبي ﷺ، وعندَه بلالٌ، وسلمانُ، وصهيبٌ، وغيرُهم؛ مثلُ ابنِ أمِّ عبدٍ، وعمار، وخَبّاب، فإذا أحاطوا به قال أشرافُ قريش: بلالٌ حبشيٌّ، وسلمانُ فارسيٌّ، وصهيبٌ روميٌّ، فلو نحّاهم لأتَيناه. فأنزل الله: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر ٢٤‏/‏٢٢٥.

تفسير

٧ أقوال
١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾، هؤلاء المؤمنون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٩٦.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأنذر به﴾ يعني: بالقرآن ﴿الذين يخافون﴾ يعني: يعلمون ﴿أن يحشروا إلى ربهم﴾ يعني: الموالي، وفقراء العرب١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥٦٢-٥٦٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَد ابنُ عطية (٣/٣٦٦) القول بأنّ معنى: ﴿يخافون﴾: يعلمون، بقوله: «وهذا غير لازم».
٣
قال الفضيل بن عياض -من طريق فيض بن إسحاق الرقي-: ليس كل خلقه عاتَبَ، إنّما عاتب الذين يعقلون، فقال: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٩٧.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ويعلمون أنّه ﴿ليس لهم من دونه﴾ يعني: من دون الله ﴿ولي﴾ يعني: قريب ينفعهم، ﴿ولا شفيع﴾ في الآخرة يشفع لهم إن عَصَوُا اللهَ١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥٦٢-٥٦٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٣/٣٦٦) أنّ قوله:﴿لَيْسَ لَهُمْ مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ يحتمل معنيين: الأول: إن جعلناه داخلًا في الخوف كان في موضع نصب على الحال، أي: يخافون أن يُحشروا في حال مَن لا ولي له ولا شفيع، فهي مختصة بالمؤمنين المسلمين، ولأن اليهود والنصارى يزعمون أنّ لهم شفعاء، وأنهم أبناء الله، ونحو هذا من الأباطيل. والثاني: إن جعلناه إخبارًا من الله تعالى عن صفة الحال يومئذ فهي عامَّة للمسلمين وأهل الكتاب. والاحتمال الأول موافق لما قاله السدي.
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿لعلهم يتقون﴾: لعلهم يطيعون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٩٧.
٦
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿لعلهم يتقون﴾، يقول: لعلهم يتقون النار بالصلوات الخمس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٩٧.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لعلهم﴾ يعني: لكي﴿يتقون﴾ المعاصيَ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥٦٢-٥٦٣.
التفسير بالمأثور لسورة الأنعام كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٥١ من سورة الأنعام

٣ وقفات في هذه الآية

  • خصت النذارة بالخائفين من الحشر، قال تعالى: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ) وقال تعالى:(فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) لأن أكثر الناس انتفاعا بالقرآن؛ أكملهم استعدادا للآخرة.

    — إسماعيل السلفي

  • قوله {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} في هذه السورة وفي يونس {قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله} لأن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معا جاء بتقديم لفظ الضر على النفع لأن العابد يعبد معبوده خوفا من عقابه أولا ثم طمعا في ثوابه ثانيا يقويه قوله {يدعون ربهم خوفا وطمعا} وحيث تقدم النفع على الضر وهي في الأنعام {ينفعنا ولا يضرنا} وآخر في يونس {ما لا ينفعك ولا يضرك} وفي الأنبياء {ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم} والفرقان {ما لا ينفعهم ولا يضرهم} وفي الشعراء {ينفعونكم أو يضرون} أما في هذه السورة فقد تقدمه {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل} فقدم الهداية على الضلالة وبعد ذلك {لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} فقدم الخير على السوء فلذلك قدم النفع على الضر وفي الرعد {طوعا وكرها} فقدم الطوع وفي سبأ {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} فقدم البسط وفي يونس قدم الضر على الأصل ولموافقة ما قبلها {ما لا يضرهم ولا ينفعهم} وفيها {وإذا مس الإنسان الضر} فيكون في الآية ثلاث مرات وكذلك ما جاء بلفظ الفعل فلسابقة معنى يتضمن فعلا. أما سورة الأنعام ففيها {ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها} ثم وصلها بقوله {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا} وفي يونس تقدمه قوله {ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين} ثم قال {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك} وفي الأنبياء تقدم قول الكفار لإبراهيم في المجادلة {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} {قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم} وفي الفرقان تقدمه قوله {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} وعد نعما جمة في الآيات ثم قال {ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم} فتأمل فإنه برهان القرآن.

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • برنامج لمسات بيانية قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ (51). وقال في سورة الأنعام أيضًا: ﴿وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ﴾ (70). وقال في سورة السجدة: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أتاهم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ٣ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (3، 4). سؤال: لماذا قال تعالى في آيتي الأنعام: ﴿لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ﴾ فنفى بـ (ليس). وقال في آية السجدة: ﴿مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ﴾ فنفى بـ(ما)، وجاء معها بـ(من)؟ الجواب: إن النفي في آية السجدة أقوى منه في آيتي الأنعام ذلك أن آيتي الأنعام من الجمل الفعلية، فهي مبدوءة بـ(ليس) و(ليس) فعل. وأما آية السجدة فهي جملة اسمية منفية بـ (ما)، ومعلوم أن الجمل الاسمية أقوى من الفعلية، و(ما) أقوى من (ليس). هذا علاوة على المجيء مع ذلك بـ(من) الاستغراقية التي تُفيد نفي الجنس وتُفيد التوكيد مع ذلك، فهي تُفيد نفي الولي والشفيع على سبيل الاستغراق. وأما سبب ذلك - والله أعلم – فإن الكلام في آيتي الأنعام على أصناف خاصة من الناس. فإن الإنذار في الآية الأولى للذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم على هذه الحالة، وهناك غيرهم كثير من غير هذا الصنف، فإن هناك من لا يؤمن أصلًا باليوم الآخر، ولا يخاف الحشر، وهناك أصناف آخرون غير هؤلاء. وأما الآية الثانية فإن التذكير فيها لنفي مخافة أن تؤخذ بجريرتها وتُسلم بذنبها وتفضح به، وذكر من حالة هذا الصنف بقوله: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُون﴾ (70). وأما آية السجدة فالخطاب لعموم من يصح خطابه من الثقلين لا يخص صنفًا دون صنف ولا واحدًا دون آخر، وإنما هو خطاب عام يعم الجميع فقد قال: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ﴾ فلم يذكر صفة معينة ولا صنفًا خاصًّا. فلما عمّ ذلك الجميع احتاج إلى التوكيد ولا شك، فإنه جار في العادة أن يكون للشخص وليٌّ واحد، أو أن يكون لمجموعة من الناس ولي واحد، أما ألّا يكون للخلق جميعًا إلا ولي واحد وليس لأحد منهم ولي غيره فهذا يحتاج إلى التوكيد فأكده بالجملة الاسمية و(من) الاستغراقية. هذا أمر. والأمر الآخر أنه لم يذكر في آيتي الأنعام شيئًا من صفات الله وإنما ذكر اسمه العلم في آية فقال: ﴿لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ﴾، وأعاد الضمير على الرب في الآية الأخرى، فقال: ﴿لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ﴾ وأما في آية السجدة فذكر له صفات عظيمة، فقال: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ﴾ وقال: ﴿يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ (5) وقال: ﴿ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ٦ ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ الإنسان مِن طِين﴾ (6، 7). ويستمر في ذكر صفاته العظيمة وقدرته التي لا تُحد. فناسب ذلك أن يؤكد أنه ليس للخلق من دونه ولي ولا من دون رضاه شفيع، وإنما هو الولي الأوحد للخلق أجمعين. قد تقول: ولكنه ذكر من صفات المعصية والضلال في آيتي الأنعام ما لم يذكره في آية السجدة، أفلا يقتضي ذلك توكيد نفي الولي والشفيع فيهما؟ والجواب: أن ليس الأمر كما توهمت بل لقد ذكر في سياق آية السجدة من المعصية والكفر ما لم يذكر في آيتي الأنعام. فقد قال في آية الأنعام (51): ﴿وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ﴾ فلم يذكر لهم معصية وإنما قال عنهم إنهم يخافون أن يحشروا إلى ربهم في هذا الحال، ومعنى ذلك أنهم مقرّون بالحشر معترفون به يخافون ربهم ويخافون أن يحشروا، وليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع، وهذا ليس معصية ولا ذنبّا. وأما آية الأنعام الأخرى فإنه قال فيها: ﴿وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا﴾ أي: اتركهم، وذكّر به: أي بالقرآن مخافة أن تؤخذ نفس بجريرتها وتجزى بكسبها، ولم يذكر لها ذنبًا، وأما الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا فأمر بتركهم. وأما آية السجدة فإنها في سياق من ينسب إلى رسول الله الكذب وافتراء القرآن وفيمن ينكر الحشر والمعاد، فقال: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ فنسبوا إليه صلى الله عليه وسلم افتراء القرآن أي كذبه على الله، وقال عنهم: ﴿وَقَالُوٓاْ أإذا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أإنا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۢۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُون﴾ فهم كذبوا الرسول وأنكروا الحشر والمعاد، ولا شك أن هذا أكبر مما ذُكر في آيتي الأنعام، فاقتضى السياق توكيد نفي الولي والشفيع من دون الله وطاعته ورضاه من هذه الجهة أيضًا، فاقتضى توكيد ذلك في آية السجدة من كل وجه، والله أعلم.

    — فاضل السامرائي

ترجمات معاني الآية ٥١ من سورة الأنعام

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(51) And warn by it [i.e., the Qur’ān] those who fear that they will be gathered before their Lord - for them besides Him will be no protector and no intercessor - that they might become righteous.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال