الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم ( بالغداة(١) والعشي )(٢) الآية [ ٥٣ ].
قوله :﴿فتكون من الظالمين﴾ : جواب النهي(٣)، و﴿فتطردهم﴾(٤) جواب النفي(٥).
والتقدير :﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾(٦)، فتكون من الظالمين، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم : آخر الكلام لأوَّلِه(٧)، وأوسطُهُ لأوسَطِهِ(٨).
وهذه الآية نزلت في سبب جماعة صحبوا رسول الله – من ضعفاء المسلمين – فقالت قريش للنبي – وعنده صهيب(٩) وعمار(١٠) بن ياسر وبلال وخباب(١١)، ونحوهم من الضعفاء(١٢) - : يا محمد، رضيت بهؤلاء(١٣) ( من قومك، أهِؤلاء )(١٤) ﴿من الله عليهم من بيننا﴾(١٥)، أنحن نكون تبعا لهؤلاء ؟، اطْرُدْهم، فلعلك إنْ طَرَدْتَهم(١٦) أن نتبعك(١٧)، فنزلت هذه الآية :﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾ الآية(١٨).
وروي عن خباب أنه قال : جاء ناس من المشركين والنبي ﷺ جالس مع بلال وصهيب وخباب وعمار في أناس(١٩) من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول حقّروهم، فأتوا فقالوا : إنا نحب أن تجعل(٢٠) لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك(٢١) فنستحي(٢٢) أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبُدِ، فإذا جئناك فأقْصِهِم(٢٣)، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم(٢٤) إن شئت. قال نعم. فقالوا : فاكتب(٢٥) ( لنا عليك )(٢٦) /(٢٧) بذلك كتابا. قال : فدعا النبي ﷺ بالصحيفة ودعا عليّاً ليكتب(٢٨). قال : ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بقوله :﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾ الآية، ثم قال له :﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض﴾ الآية(٢٩)، ثم قال ( له )(٣٠) :﴿وإذا جاءك الذين يومنون بآياتنا فقل سلام عليكم﴾ الآية(٣١). فألقى النبي الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول :﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾(٣٢)، فكنا(٣٣) نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم(٣٤) تَرَكنا، فأنزل الله ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾(٣٥) ( الآية )(٣٦)، فكان رسول الله يقعد معنا بعد ذلك، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، ( قمنا )(٣٧) وتركناه حتى يقوم(٣٨).
وقال الفضيل(٣٩) في هذه الآية : جاء قوم إلى النبي ﷺ فقالوا : إنا قد أًصبنا من الذنوب، فاستغفر لنا. فأعرض عنهم، فأنزل الله عز وجل :﴿وإذا جاءك الذين يومنون بآياتنا﴾ الآية(٤٠).
وقيل : إنما أراد المشركون أن يطرد النبي ﷺ الفقراء، ( فيحتجوا عليه(٤١) إذ لم يتبعه الفقراء، ويقولوا(٤٢) : إن أتباع النبي الفقراء )(٤٣). فعصمه(٤٤) الله مما أرادوا به.
وقال الكلبي :( أبو طالب )(٤٥) عم النبي ( هو الذي )(٤٦) قال للنبي : اطرد فلانا وفلانا(٤٧). وإن ناسا من أصحاب النبي قالوا : يا رسول الله، صدق عمك فاطرد عنا سفلة الموالي. فعاتبهم الله في الآية الأولى(٤٨)، فجاءوا يعتذرون من قولهم ( أطردهم )، فأنزل الله :﴿وإذا جاءك الذين يومنون بآياتنا فقل سلام عليكم﴾(٤٩).
ومعنى :﴿يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ قال مجاهد :( هي )(٥٠) ( الصلاة المفروضة : الصبح والعصر )(٥١). وقال ابن عباس : هي الصلوات المفروضة الخمس(٥٢)، وقاله الحسن(٥٣). وكذلك قالوا كلهم في قوله :﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾(٥٤).
وقال قتادة والضحاك : هي صلاة(٥٥) الصبح والعصر(٥٦). وعن ابن عمر قال : يشهدون المكتوبة(٥٧).
وقيل : معنى الدعاء – هنا - : ذكرهم الله غدوة وعشيا(٥٨). وقيل : الدعاء هنا : العبادة(٥٩). وقيل(٦٠) : هو إِقْراء القرآن(٦١).
وقال الحسن : يعني الصلاة(٦٢) التي فرضت بمكة : ركعتان غدوة وركعتان عشية، وهذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس(٦٣). وقال عمرو(٦٤) بن شعيب : هما صلاة الصبح وصلاة العصر. وقد قيل : إنهم القُصَاصَ(٦٥). وأنكر ذلك جماعة من الصحابة والتابعين(٦٦).
وروي أنهم سألوا النبي أن يؤخر هؤلاء عن الصف الأول(٦٧).
والتمام هنا :﴿فتكون من الظالمين﴾، لأنه جواب النهي، وقد قيل :﴿فتطردهم﴾ تمام، وليس بجيد(٦٨).
١ كلها قرأها بالألف (إلا ابن عامر، فإنه قرأ ﴿بالغداة﴾ في كل القرآن بالواو السبعة ٢٥٨..
٢ الظاهر من الطمس في (أ) أنها كما أثبت. ساقطة من ب ج د..
٣ أي قوله: ﴿ولا تطرد...﴾ من نفس الآية..
٤ ب: يتطردهم..
٥ أي قوله: ﴿ما عليك...﴾ من نفس الآية. وانظر: معاني الأخفش ٤٨٩، وتفسير الطبري ١١/٣٨٨، ومعاني الزجاج ٢/٢٥٢، وإعراب النحاس ١/٥٤٨، ٥٤٩..
٦ ب: وجهه الآية..
٧ ج د: لا أوله. أي: النهي وجوابه..
٨ أي النفي وجوابه. وانظر: القطع ٣٠٥..
٩ ب: صعيب. وهو صهيب بن سنان بن مالك، شهد بدرا والمشاهد بعدها. توفي سنة ٣٨ هـ. انظر: الإصابة ٥/١٦٢..
١٠ ب: عمر..
١١ هو خباب بن جندلة بن سعد بن خزيمة، صحابي شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله. توفي سنة ٣٧ هـ. انظر: طبقات ابن سعد ٣/١٦٦..
١٢ د: ضعفاء المسلمين..
١٣ ب ج د: هؤلاء..
١٤ ساقطة من ب..
١٥ الأنعام آية ٥٤..
١٦ ج: اطردتهم..
١٧ ب: تتبعك..
١٨ انظر: تفسير الطبري ١١/٣٧٤، ٣٧٥، وأسباب النزول ١٤٥، ١٤٦، ولباب النقول ١٠٠، ١٠١..
١٩ د: ناس..
٢٠ ب: نجعل..
٢١ د: يأتيك..
٢٢ مطموسة في أ. د: فتستحيي..
٢٣ د: فقصهم..
٢٤ ب: مهم..
٢٥ ج: كتب. د: اكتب..
٢٦ ج: علينا..
٢٧ كلها مطموسة مع بعض الخرم..
٢٨ ب: يكتب. ج د: يكتب..
٢٩ الآية: ٥٤. وانظر: أسباب النزول ١٤٦..
٣٠ مطموسة في أ. ساقطة من ب ج د..
٣١ الأنعام آية ٥٤..
٣٢ الأنعام آية ٥٥. وانظر: تفسير الطبري ١١/٣٩٠، ٣٩١ حيث ثلاث روايات بهذا المعنى عن ماهان. وانظر: كذلك أسباب النزول ١٤٧، ولباب النقول ١٠٢..
٣٣ مطموسة في أ. ب ج د: فكما..
٣٤ ج د: تقوم..
٣٥ الكهف آية ٢٨..
٣٦ ساقطة من ج د..
٣٧ ساقطة من ب..
٣٨ انظر: تفسير الطبري ١١/٣٧٦، ٣٧٧، وفيه أن الناس المشركين الذين أتوا رسول الله هم: الأقرع بن حابس وعيينه بن حصن، وانظر: كذلك لباب النقول ١٠١ وفيه قول ابن كثير: (هذا حديث غريب، فإن الآية مكية، والأقرع وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر)..
٣٩ هو أبو علي الفضيل بن عياض التميمي اليربوعي، شيخ الحرم المكي، ثقة في الحديث. أخذ عنه الشافعي، وخلق كثير. توفي بمكة سنة ١٨٧ هـ. انظر: التذكرة ١/٢٢٥، والتهذيب ٨/٢٩٤ والصفة ٢/١٣٤، والبداية ١٠/١٩٨، والحلية ٨/٨٤، والوفيات ١/٤١٥..
٤٠ الأنعام آية ٥٥. وانظر: تفسير الطبري ١١/٣٩٠، ٣٩١ حيث ثلاث روايات بهذا المعنى عن ماهان، وانظر: كذلك أسباب النزول ١٤٧، ولباب النقول ١٠٢..
٤١ الظاهر من الطمس في (أ) أنها كما أثبت. ج د: إذا..
٤٢ ج د يقولون..
٤٣ ساقطة من ب..
٤٤ ب: فعظمه..
٤٥ مخرومة في أ..
٤٦ ساقطة من ب ج د..
٤٧ (عن قتادة والكلبي: أن ناسا من كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن نتبعك، فاطرد عنا فلانا وفلانا...) تفسير الطبري ١١/٣٧٨..
٤٨ أي قوله: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا﴾ الأنعام آية ٥٤..
٤٩ الأنعام آية ٥٥. وهو بعض قوله عكرمة في تفسير الطبري ١١/٣٧٩ وفيه اعتذار عمر من قوله: {لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون...). ؟.
٥٠ مطموسة في أ. ساقطة من ب..
٥١ تفسير الطبري ١١/٣٨٢..
٥٢ انظر: تفسير الطبري ١١/٣٨١..
٥٣ انظر: تفسير الطبري ١١/٣٨٢..
٥٤ الكهف آية ٢٨..
٥٥ مطموسة في أ. ب: الصلاة..
٥٦ روايتان عن قتادة في تفسير الطبري ١١/٣٨٣، ٣٨٤، وفيه – ١١/٣٨٢ – قول الضحاك: (يعني الصلاة المفروضة)..
٥٧ انظر: تفسير الطبري ١١/٣٨٣..
٥٨ هو قول إبراهيم ومنصور في تفسير الطبري ١١/٣٨٥..
٥٩ هو قول الضحاك في تفسير الطبري ١١/٣٨٦..
٦٠ مطموسة في أ. ب: قرأ..
٦١ هو قول أبي جعفر في تفسير الطبري ١١/٣٨٦..
٦٢ مطموسة في أ. ج: الصلوات..
٦٣ هو قول الحسن بن أبي الحسن في المحرر ٦/٥٧، وزاد في تفسير البحر ٣/١٣٥ أنه قول مقاتل..
٦٤ ب ج د: عمر..
٦٥ أي الاجتماع إليهم غدوة وعشيا..
٦٦ انظر: قول ابن المسيب لمجاهد، وقول أبي جعفر وإبراهيم في تفسير الطبري ١١/٣٨١، ٣٨٣، ٣٨٦، وانظر: كذلك المحرر ٦/٥٧، وتفسير البحر ٣/١٣٥، ١٣٦..
٦٧ هو قول ابن عباس في تفسير الطبري ١١/٣٨٥..
٦٨ انظر: القطع ٣٠٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى