الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾ : في هذه الجملة وجهان، أحدهما : أنها مستأنفةٌ سيقت للإِخبار بذلك. والثاني : أنها في محصل نصب على الحال، وحينئذ هل يُحتاج إلى إضمار " قد " أم لا ؟ والهاء في " به " يجوز أن تعود على " ربي " وهو الظاهر. وقيل : على القرآن لأنه كالمذكور. وقيل على " بَيِّنَة " لأنها في معنى البيان. وقيل : لأن التاء فيها للمبالغة، والمعنى : على أمرٍ بَيِّنٍ من ربي، و " من ربي " في محل جر صفة ل " بينة "
قوله :﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ قرأ نافع وابن كثير وعاصم :" يقص " بصاد مهملة مشددة مرفوعة، وهي قراءة ابن عباس، والباقون بضاد معجمة مخففة مكسورة، وهاتان في المتواتر. وقرأ عبد الله وأُبَيّ ويحيى بن وثاب والنخعي والأعمش وطلحة :" يقضي بالحق " من القضاء. وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد :" يقضي بالحق وهو خير القاضين " فأمَّا قراءة " يقضي " فمِن القضاء. ويؤيده قوله :" وهو خير الفاصلين " فإنَّ الفصل يناسب القضاء، ولم يُرْسَم إلا بضاد، كأن الباء حُذِفَتْ خَطَّاً كما حذفت لفظاً لالتقاء الساكنين، كما حذفت من نحو :﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥]، وكما حُذِفَتْ الواو في ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] لما تقدم.
وأمَّا نصب " الحق " بعده ففيه أربعة أوجه، أحدها : أنه منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف أي : يقضي القضاء الحق. والثاني : أنه ضمَّن " يقضي " معنى يُنْفِذ، فلذلك عدَّاه إلى المفعول به، الثالث : أن " قضى " بمعنى صنع فيتعدَّى بنفسه من غير تضمين، ويدل على ذلك قوله :
وعليهما مَسْرُودتان قضاهُما *** داودُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي : صَنَعَهما. الرابع : أنه على إسقاط حرف الجر أي : يقضي بالحق، فلما حذف انتصب مجروره على حَدِّ قوله :
تمرُّون الدِّيار فلم تَعْوجوا. . . . . . . . . . . . . . . . .
ويؤيد ذلك : القراءةُ بهذا الأصل.
وأما قراءة " يَقُصُّ " فمِنْ " قَصَّ الحديث " أو مِنْ " قصَّ الأثر " أي : تَتَبَّعه. وقال تعالى :
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]. ورجحَّ أبو عمرو بن العلاء القراءة الأولى بقوله :" الفاصلين "، وحُكي عنه أنَّه قال :" أهو يَقُصُّ الحقَّ أو يقضي الحقَّ أو يقضي الحق " فقالوا :" يقصُّ " فقال :" لو كان " يقص " لقال :" وهو خير القاصِّين " اقرأ أحدٌ بهذا ؟ وحيث قال :﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ فالفصل إنما يكون في القضاء " وكأن أبا عمرو لم يَبْلُغْه " وهو خير القاصِّين " قراءةً. وقد أجاب أبو علي الفارسي عما ذكره ابن العلاء فقال :" القصصُ هنا بمعنى القول، وقد جاء الفصل في القول أيضاً قال تعالى :﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [طارق: ١٣] وقال تعالى :
﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]. وقال تعالى :﴿وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ [التوبة: ١١] فقد حمل الفَصْل على القول، واستُعمل معه كما جاء مع القضاء فلا يلزم " من الفاصلين " أن يكون مُعَيِّناً ليقضي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى