جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىَ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ الآيات لَعَلّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾. .
يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : قل لهؤلاء العادلين بربهم غيره من الأصنام والأوثان يا محمد : إن الذي ينجيكم من ظلمات البرّ والبحر ومن كلّ كرب ثم تعودون للإشراك به، وهو القادر على أن يرسل عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم، لشرككم به وادّعائكم معه إلها آخر غيره وكفرانكم نعمه مع إسباغه عليكم آلاءه ومننه.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى العذاب الذي توعد الله به هؤلاء القوم أن يبعثه عليهم من فوقهم أو من تحت أرجلهم، فقال بعضهم : أما العذاب الذي توعدهم به أن يبعثه عليه من فوقهم : فالرجم وأما الذي توعدهم أن يبعثه عليهم من تحتهم : فالخسف. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع، قالا : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك : قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ قال : الخسف.
حدثنا سفيان، قال : حدثنا يحيى بن آدم، عن الأشجعي، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك وسعيد بن جبير، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا قال : أبو سلمة، عن شبل، عن ابن نجيح، عن مجاهد : قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ قال الخسف.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ فعذاب السماء، أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ فيخسف بكم الأرض.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ قال : كان ابن مسعود يصيح وهو في المجلس أو على المنبر : ألا أيها الناس إنه نزل بكم، إن الله يقول : قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ لو جاءكم عذاب من السماء لم يبق منكم أحدا، أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ لو خسف بكم الأرض أهلككم ولم يبق منكم أحدا، أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بأْسَ بَعْضٍ ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث.
وقال آخرون : عَنَى بالعذاب من فوقكم : أئمة السوء، أو من تحت أرجلكم : الخَدَمَ وسفلةَ الناس. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سمعت خلادا يقول : سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول : إن ابن عباس كان يقول في هذه : قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ فأما العذاب من فوقكم : فأئمة السوء. وأما العذاب من تحت أرجلكم : فخدم السوء.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ يعني : من أمرائكم، أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ يعني : سفلتكم.
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي قول من قال : عنى بالعذاب من فوقهم الرجم أو الطوفان وما أشبه ذلك مما ينزل عليهم من فوق رءوسهم، ومن تحت أرجلهم : الخسف وما أشبهه. وذلك أن المعروف في كلام العرب من معنى «فوق » و «تحت » الأرجل، هو ذلك دون غيره، وإن كان لما رُوي عن ابن عباس في ذلك وجه صحيح، غير أن الكلام إذا تنوزع في تأويله فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحقّ وأولى من غيره ما لم يأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها.
يقول تعالى ذكره : أو يخلطكم شيعا : فرقا، واحدتها شيعة، وأما قوله : يَلْبِسَكُمْ فهو من قولك : لَبَسْتُ عليه الأمر، إذا خلطت، فأنا ألبِسُه. وإنما قلت إن ذلك كذلك، لأنه لا خلاف بين القرّاء في ذلك بكسر الباء، ففي ذلك دليل بَيّنٌ على أنه من لَبَسَ يَلْبِسُ، وذلك هو معنى الخلط. وإنما عنى بذلك : أو يخلطكم أهواء مختلفة وأحزابا مفترقة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا الأهواء المفترقة.
حدثنا حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا قال : يفرّق بينكم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا قال : ما كان منكم من التفرّق والاختلاف.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا قال : الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف والأهواء وسفك دماء بعضهم بعضا.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا قال : الأهواء والاختلاف.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا يعني بالشيع : الأهواء المختلفة.
وأما قوله : وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بأْسَ بَعْضٍ فإنه يعني : بقتل بعضكم بيد بعض، والعرب تقول للرجل ينال بسلاح فيقتله به : قد أذاق فلان فلانا الموت وأذاقه بأسه. وأصل ذلك من ذوق الطعام وهو يطعمه، ثم استعمل ذلك في كلّ ما وصل إلى الرجل من لذّة وحلاوة أو مرارة ومكروه وألم. وقد بينت معنى البأس في كرم العرب فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَيُذِيقَ بَعْضَكمْ بَأْسَ بَعْضٍ بالسيوف.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو النعمان عارم، قال : حدثنا حماد، عن أبي هارون العبدي، عن عوف البكالي، أنه في قوله : وَيُذِيقَ بَعْضَكمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال : هي والله الرجال في أيديهم الحراب يطعنون في خواصركم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : وَيُذِيقَ بَعْضَكمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال : يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب.
حدثنا سعيد بن الربيع الرازي، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : عذاب هذه الأمة أهل الإقرار بالسيف، أوْ يَلْبِسُكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكمْ بَأْسَ بَعْضٍ وعذاب أهل التكذيب : الصيحة والزلزلة.
ثم اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذا الآية، فقال بعضهم : عُني بها المسلمون من أمة محمد ﷺ، وفيهم نزلت. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عيسى الدام غاني، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله : قُلْ هُوَ القادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ. . . الاَية، قال : فهنّ أربع وكلهنّ عذاب، فجاء منهنّ اثنتان بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعا وأذيق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان، فهما لا بدّ واقعتان، يعني : الخسف والمسخ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ لأمة محمد ﷺ، وأعفاكم منه، وأعفاكم منه. أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا قال : ما كان فيكم من الفتن والاختلاف.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : قُلْ هُوَ القادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا. . . الاَية، ذكر لنا أن رسول الله ﷺ صلى ذات يوم الصبح فأطالها، فقال له بعض أهله : يا نبيّ الله لقد صليت صلاة ما كنت تصليها قال :«إنّها صَلاة رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، وإنّي سألْتُ ربّي فِيها ثَلاثا : سألْتُه أنْ لا يُسَلّط على أمّتي عَدوّا مِنْ غيرِهِمْ فَيُهْلِكَهُمْ فَأعْطانِيها وسألْتُهُ أنْ لا يُسَلّطَ على أُمّتِي السّنَةَ فأعْطانِيها وسألْتُهُ أنْ لا يَلْبِسَهُمْ شِيَعا وَلاَ يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَمَنَعنِيها »، ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«لا تَزَال طائفَةٌ مِنْ أمّتِي يُقاتِلُونَ على الحَقّ ظاهرَينَ لا يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حتى يَأتِيَ أمْرَ اللّهِ ».
حدثنا أحمد بن الوليد القرشيّ وسعيد بن الربيع الرازي، قالا : حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو، سمع جابرا يقول : لما أنزل الله تعالى على النبي ﷺ : قُلْ هُوَ القادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ قال :«أعُوذ بِوَجْهِكَ »، أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال :«هَاتَانِ أيْسَرٌ »، أو «أهْوَنُ ».
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر، قال : لما نزلت : قُلْ هُوَ القادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرجلكم قال :«نَعُوذ بِكَ، نَعُوذ بِكَ » أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيعا قال :«هُوَ أهْوَنٌ ».
حدثني زياد بن عبيد الله المزني، قال : حدثنا مروان بن معاوية الفزاريّ، قال : حدثنا أبو مالك، قال ثني نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه : أن النبي ﷺ خفيفة تامة الركوع والسجود فقال :«قَدْ كَانَتْ صَلاةَ رهبة وَرهْبَةٍ، فَسألْتُ اللّهَ فِيها ثَلاثا فأعْطَانِي اثْنَتَيْنِ، وبَقِيَ وَاحِدَةٌ. سألْتُ اللّهَ أنْ لا يُصِيبَكُمْ بِعَذَابِ أصَابَ بِهِ مَنْ قَبْلَكُمْ فأعْطانيها، وسألْتُ اللّهَ أنْ لا يُسَلّطَ عَلَيْكُمْ عَدوّا يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَكُمْ فأعْطانِيها، وسألْتُهُ أنْ لا يَلْبِسُكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضُكُمْ بأْسَ بَعْضٍ، فَمَنَعنِيها ». قال أبو مالك : فقلت له : أبوك سمع هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال : نعم سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها من في رسول الله ﷺ.
حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن أبي أسماء الرّحبيّ، عن شدّاد بن أوس يرفعه إلى النبي ﷺ، أنه قال :«إنّ اللّهَ زَوَى
يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : قل لهؤلاء العادلين بربهم غيره من الأصنام والأوثان يا محمد : إن الذي ينجيكم من ظلمات البرّ والبحر ومن كلّ كرب ثم تعودون للإشراك به، وهو القادر على أن يرسل عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم، لشرككم به وادّعائكم معه إلها آخر غيره وكفرانكم نعمه مع إسباغه عليكم آلاءه ومننه.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى العذاب الذي توعد الله به هؤلاء القوم أن يبعثه عليهم من فوقهم أو من تحت أرجلهم، فقال بعضهم : أما العذاب الذي توعدهم به أن يبعثه عليه من فوقهم : فالرجم وأما الذي توعدهم أن يبعثه عليهم من تحتهم : فالخسف. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع، قالا : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك : قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ قال : الخسف.
حدثنا سفيان، قال : حدثنا يحيى بن آدم، عن الأشجعي، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك وسعيد بن جبير، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا قال : أبو سلمة، عن شبل، عن ابن نجيح، عن مجاهد : قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ قال الخسف.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ فعذاب السماء، أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ فيخسف بكم الأرض.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ قال : كان ابن مسعود يصيح وهو في المجلس أو على المنبر : ألا أيها الناس إنه نزل بكم، إن الله يقول : قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ لو جاءكم عذاب من السماء لم يبق منكم أحدا، أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ لو خسف بكم الأرض أهلككم ولم يبق منكم أحدا، أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بأْسَ بَعْضٍ ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث.
وقال آخرون : عَنَى بالعذاب من فوقكم : أئمة السوء، أو من تحت أرجلكم : الخَدَمَ وسفلةَ الناس. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سمعت خلادا يقول : سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول : إن ابن عباس كان يقول في هذه : قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ فأما العذاب من فوقكم : فأئمة السوء. وأما العذاب من تحت أرجلكم : فخدم السوء.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ يعني : من أمرائكم، أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ يعني : سفلتكم.
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي قول من قال : عنى بالعذاب من فوقهم الرجم أو الطوفان وما أشبه ذلك مما ينزل عليهم من فوق رءوسهم، ومن تحت أرجلهم : الخسف وما أشبهه. وذلك أن المعروف في كلام العرب من معنى «فوق » و «تحت » الأرجل، هو ذلك دون غيره، وإن كان لما رُوي عن ابن عباس في ذلك وجه صحيح، غير أن الكلام إذا تنوزع في تأويله فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحقّ وأولى من غيره ما لم يأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها.
القول في تأويل قوله تعالى : أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بأْسَ بَعْضٍ.
يقول تعالى ذكره : أو يخلطكم شيعا : فرقا، واحدتها شيعة، وأما قوله : يَلْبِسَكُمْ فهو من قولك : لَبَسْتُ عليه الأمر، إذا خلطت، فأنا ألبِسُه. وإنما قلت إن ذلك كذلك، لأنه لا خلاف بين القرّاء في ذلك بكسر الباء، ففي ذلك دليل بَيّنٌ على أنه من لَبَسَ يَلْبِسُ، وذلك هو معنى الخلط. وإنما عنى بذلك : أو يخلطكم أهواء مختلفة وأحزابا مفترقة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا الأهواء المفترقة.
حدثنا حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا قال : يفرّق بينكم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا قال : ما كان منكم من التفرّق والاختلاف.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا قال : الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف والأهواء وسفك دماء بعضهم بعضا.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا قال : الأهواء والاختلاف.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا يعني بالشيع : الأهواء المختلفة.
وأما قوله : وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بأْسَ بَعْضٍ فإنه يعني : بقتل بعضكم بيد بعض، والعرب تقول للرجل ينال بسلاح فيقتله به : قد أذاق فلان فلانا الموت وأذاقه بأسه. وأصل ذلك من ذوق الطعام وهو يطعمه، ثم استعمل ذلك في كلّ ما وصل إلى الرجل من لذّة وحلاوة أو مرارة ومكروه وألم. وقد بينت معنى البأس في كرم العرب فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَيُذِيقَ بَعْضَكمْ بَأْسَ بَعْضٍ بالسيوف.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو النعمان عارم، قال : حدثنا حماد، عن أبي هارون العبدي، عن عوف البكالي، أنه في قوله : وَيُذِيقَ بَعْضَكمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال : هي والله الرجال في أيديهم الحراب يطعنون في خواصركم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : وَيُذِيقَ بَعْضَكمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال : يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب.
حدثنا سعيد بن الربيع الرازي، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : عذاب هذه الأمة أهل الإقرار بالسيف، أوْ يَلْبِسُكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكمْ بَأْسَ بَعْضٍ وعذاب أهل التكذيب : الصيحة والزلزلة.
ثم اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذا الآية، فقال بعضهم : عُني بها المسلمون من أمة محمد ﷺ، وفيهم نزلت. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عيسى الدام غاني، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله : قُلْ هُوَ القادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ. . . الاَية، قال : فهنّ أربع وكلهنّ عذاب، فجاء منهنّ اثنتان بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعا وأذيق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان، فهما لا بدّ واقعتان، يعني : الخسف والمسخ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ لأمة محمد ﷺ، وأعفاكم منه، وأعفاكم منه. أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا قال : ما كان فيكم من الفتن والاختلاف.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : قُلْ هُوَ القادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا. . . الاَية، ذكر لنا أن رسول الله ﷺ صلى ذات يوم الصبح فأطالها، فقال له بعض أهله : يا نبيّ الله لقد صليت صلاة ما كنت تصليها قال :«إنّها صَلاة رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، وإنّي سألْتُ ربّي فِيها ثَلاثا : سألْتُه أنْ لا يُسَلّط على أمّتي عَدوّا مِنْ غيرِهِمْ فَيُهْلِكَهُمْ فَأعْطانِيها وسألْتُهُ أنْ لا يُسَلّطَ على أُمّتِي السّنَةَ فأعْطانِيها وسألْتُهُ أنْ لا يَلْبِسَهُمْ شِيَعا وَلاَ يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَمَنَعنِيها »، ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«لا تَزَال طائفَةٌ مِنْ أمّتِي يُقاتِلُونَ على الحَقّ ظاهرَينَ لا يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حتى يَأتِيَ أمْرَ اللّهِ ».
حدثنا أحمد بن الوليد القرشيّ وسعيد بن الربيع الرازي، قالا : حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو، سمع جابرا يقول : لما أنزل الله تعالى على النبي ﷺ : قُلْ هُوَ القادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ قال :«أعُوذ بِوَجْهِكَ »، أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال :«هَاتَانِ أيْسَرٌ »، أو «أهْوَنُ ».
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر، قال : لما نزلت : قُلْ هُوَ القادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرجلكم قال :«نَعُوذ بِكَ، نَعُوذ بِكَ » أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيعا قال :«هُوَ أهْوَنٌ ».
حدثني زياد بن عبيد الله المزني، قال : حدثنا مروان بن معاوية الفزاريّ، قال : حدثنا أبو مالك، قال ثني نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه : أن النبي ﷺ خفيفة تامة الركوع والسجود فقال :«قَدْ كَانَتْ صَلاةَ رهبة وَرهْبَةٍ، فَسألْتُ اللّهَ فِيها ثَلاثا فأعْطَانِي اثْنَتَيْنِ، وبَقِيَ وَاحِدَةٌ. سألْتُ اللّهَ أنْ لا يُصِيبَكُمْ بِعَذَابِ أصَابَ بِهِ مَنْ قَبْلَكُمْ فأعْطانيها، وسألْتُ اللّهَ أنْ لا يُسَلّطَ عَلَيْكُمْ عَدوّا يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَكُمْ فأعْطانِيها، وسألْتُهُ أنْ لا يَلْبِسُكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضُكُمْ بأْسَ بَعْضٍ، فَمَنَعنِيها ». قال أبو مالك : فقلت له : أبوك سمع هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال : نعم سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها من في رسول الله ﷺ.
حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن أبي أسماء الرّحبيّ، عن شدّاد بن أوس يرفعه إلى النبي ﷺ، أنه قال :«إنّ اللّهَ زَوَى