المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
﴿وما على الذين يتقون من حسابهم﴾ الآية، والمراد ب ﴿الذين﴾ هم المؤمنون. والضمير في ﴿حسابهم﴾ عائد على ﴿الذين يخوضون﴾ ومن قال : إن المؤمنين داخلون في قوله :﴿فأعرض﴾ قال إن النبي عليه السلام داخل في هذا القصد ب ﴿الذين يتقون﴾، والمعنى عندهم على ما روي أن المؤمنين قالوا لما نزلت فلا تقعد معهم قالوا : إذا كنا لا نضرب المشركين ولا نسمع أقوالهم فما يمكننا طواف ولا قضاء عبادة في الحرم فنزلت لذلك ﴿وما على الذين يتقون﴾.
قال القاضي أبو محمد : فالإباحة في هذا هي في القدر الذي يحتاج إليه من التصرف بين المشركين في عبادة ونحوها، وقال بعض من يقول إن النبي عليه السلام داخل في ﴿الذين يتقون﴾ وإن المؤمنين داخلون في الخطاب الأول أن هذه الآية الأخيرة ليست إباحة بوجه، وإنما معناها لا تقعدوا ولا تقربوهم حتى تسمعوا استهزاءهم وخوضهم، وليس نهيكم عن القعود لأن عليكم شيئاً من حسابهم وإنما هو ذكرى لكم، ويحتمل المعنى أن يكون لهم لعلهم إذا جانبتموهم يتقون بالإمساك عن الاستهزاء، وأما من قال إن الخطاب الأول هو مجرد للنبي ﷺ لثقل مفارقته مغضباً على الكفار فإنه قال في هذه الآية الثانية إنها مختصة بالمؤمنين، ومعناها الإباحة، فكأنه قال : فلا تقعد معهم يا محمد وأما المؤمنون فلا شيء عليهم من حسابهم فإن قعدوا فليذكروهم لعلهم يتقون الله في ترك ما هم فيه.
قال القاضي أبو محمد : وهذا القول أشار إليه النقاش ولم يوضحه، وفيه عندي نظر، وقال قائل هذه المقالة : إن هذه الإباحة للمؤمنين نسخت بآية النساء قوله تعالى :﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾(١) [النساء: ١٤٠] وكذلك أيضاً من قال أولاً :«إن الإباحة كانت بحسب العبادات » يقول إن هذه الآية التي في النساء ناسخة لذلك إذ هي مدنية، والإشارة بقوله :﴿وقد نزل﴾ [النساء: ١٤٠] إليها بنفسها فتأمله، وإلا فيجب أن يكون الناسخ غيرها، و ﴿ذكرى﴾ على هذا القول يحتمل أن يكون ذكر وهم ذكرى، ويحتمل ولكن أعرضوا متى أعرضتم في غير وقت العبادة ذكرى، و ﴿ذكرى﴾ على كل قول يحتمل أن تكون في موضع نصب بإضمار فعل أو رفع وإضمار مبتدأ، وينبغي للمؤمن أن يمتثل حكم هذه الآية مع الملحدين وأهل الجدال والخوض فيه، حكى الطبري عن أبي جعفر أنه قال : لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله.
١ - من الآية (١٤٠) من سورة (النساء).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى