جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَمَا عَلَى الّذِينَ يَتّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْءٍ وَلََكِن ذِكْرَىَ لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ﴾. .
يقول تعالى ذكره : ومن اتقى الله فخافه فأطاعه فيما أمره به واجتنب ما نهاه عنه، فليس عليه بترك الإعراض عن هؤلاء الخائضين في آيات الله في حال خوضهم في آيات الله شيء من تبعه فيما بينه وبين الله، إذا لم يكن تركه الإعراض عنهم رضا بما هم فيه وكان الله بحقوقه متقيا، ولا عليه من إثمهم بذلك حرج، ولكن لِيُعْرِضوا عنهم حينئذ. ذِكْرَى لأمر الله. لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ يقول : ليتقوا. ومعنى الذكرى : الذكرُ، والذكر والذكرى بمعنى وقد يجوز أن يكون ذكرى في موضع ورفع فأما النصب فعلى ما وصفت من تأويل : ولكن ليعرضوا عنهم ذكري وأما الرفع فعلى تأويل : وما على الذين يتقون من حسابهم شيء بترك الإعراض، ولكن إعراضهم ذكرى لأمر الله لعلهم يتقون. وقد ذكر أن النبي ﷺ إنما أمر بالقيام عن المشركين إذا خاضوا في آيات الله، لأنه قيامه عنهم كان مما يكرهونه، فقال الله له : إذا خاضوا في آيات الله فقم عنهم ليتقوا الخوض فيها ويتركوا ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عنا بن جريج، قال : كان المشركون يجلسون إلى النبي ﷺ يحبون أن يسمعوا منه، فإذا سمعوا استهزءوا، فنزلت : وإذَا رأيْتَ الّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنَا فأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غيرِهِ. . . الآية، قال : فجعل إذا استهزءوا قام فحذروا وقالوا : لا تستهزئوا فيقوم فذلك قوله : لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ أن يخوضوا فيقوم. ونزل : وَمَا عَلَى الّذِينَ يَتّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ إن قعدوا معهم، ولمن لا تقعدوا. ثم نسخ ذلك قوله بالمدينة : وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أنْ إذَا سَمِعْتُمْ آياتِ اللّهِ يُكْفَرُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حتى يَخُوضُوا فِي حَديثٍ غيرِهِ إنّكُمْ إذًا مِثْلُهُمْ، فنسخ قوله : وَمَا عَلَى الّذِينَ يَتّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ. . . الاَية.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله : وَمَا عَلَى الّذِينَ يَتّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يقوله : من حساب الكفار من شيء. وَلَكِنْ ذِكْرَى يقول : إذا ذكرتُ فقم. لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ مساءتكم إذا رأوكم لا تجالسونهم، استحيوا منكم فكفوا عنكم. ثم نسخها الله بعد، فنهاهم أن يجلسوا معهم أبدا، قال : وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أنْ إذَا سَمِعْتُمْ آياتِ اللّهِ يُكْفَرُ بِها. . . الاَية.
حدثني محمد بن عروة، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَمَا عَلَى الّذِينَ يَتّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ إن قعدوا، ولكن لا تقعد.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك : وَمَا عَلَى الّذِينَ يَتّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى قال : وما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن اتقى الله فخافه، فأطاعه فيما أمره به، واجتنب ما نهاه عنه، فليس عليه بترك الإعراض عن هؤلاء الخائضين في آيات الله في حال خوضهم في آيات الله، شيء من تبعة فيما بينه وبين الله، إذا لم يكن تركه الإعراضَ عنهم رضًا بما هم فيه، وكان لله بحقوقه متقيًا، (١) ولا عليه من إثمهم بذلك حرج، ولكن ليعرضوا عنهم حينئذ ذكرى لأمر الله ="لعلهم يتقون"، يقول: ليتقوا.
* * *
ومعنى"الذكرى"، الذكرُ. و"الذكر" و"الذكرى" بمعنًى.
* * *
وقد يجوز أن يكون"ذكرى" في موضع نصب ورفع:
فأما النصب، فعلى ما وصفت من تأويل: ولكن ليعرضوا عنهم ذكرى.
وأما الرفع، فعلى تأويل: وما على الذين يتقون من حسابهم شيء بترك الإعراض، ولكن إعراضهم ذكرى لأمر الله لعلهم يتقون. (٢)
* * *
وقد ذكر أن النبي ﷺ إنما أمر بالقيام عن المشركين إذا خاضوا في آيات الله، لأن قيامه عنهم كان مما يكرهونه، فقال الله له: إذا خاضوا في آيات الله فقم عنهم، ليتقوا الخوضَ فيها ويتركوا ذلك.
(٢) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٣٩.
١٣٣٩٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كان المشركون يجلسون إلى النبي ﷺ يحبون أن يسمعوا منه، فإذا سمعوا استهزءوا، فنزلت:"وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره"، الآية، قال: فجعل إذا استهزءوا قام، فحذروا وقالوا لا تستهزئوا فيقوم! فذلك قوله:"لعلهم يتقون"، أن يخوضوا فيقوم، ونزل:" وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء"، إن قعدوا معهم، ولكن لا تقعدوا. ثم نسخ ذلك قوله بالمدينة: وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ، [سورة النساء: ١٤٠]، فنسخ قولَه:"وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء"، الآية.
١٣٣٩٧ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:" وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء"، يقول: من حساب الكفار من شيء ="ولكن ذكرى"، يقول: إذا ذكرت فقم ="لعلهم يتقون" مساءتكم، إذا رأوكم لا تجالسونهم استحيوا منكم، فكفوا عنكم. ثم نسخها الله بعد، فنهاهم أن يجلسوا معهم أبدًا، قال: وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا، الآية.
١٣٣٩٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء"، إن قعدوا، ولكن لا تقعد.
١٣٣٩٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.