غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿وأنشأنا﴾ بغير همز حيث كان : أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف. ﴿ولقد استهزئ﴾ وبابه بالهمز : أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم، وقرأ يزيد والشموني وحمزة في الوقف بغير همز الباقون بغير همز مطلقاً ﴿فحاق﴾ بالإمالة حيث كان حمزة.
الوقوف :﴿والنور﴾ ط لأن «ثم» لترتيب الأخبار ﴿يعدلون﴾ ه ﴿أجلاً﴾ ط ﴿تمترون﴾ ه ﴿وفي الأرض﴾ ج وقيل : لا وقف ليصير التقدير وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض وفيه بعد، بل المعنى وهو المستحق للعبودية في أهل السموات وأهل الأرض. ﴿تكسبون﴾ ه ﴿معرضين﴾ ه ﴿لما جاءهم﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿يستهزءون﴾ ه ﴿مدراراً﴾ ص لعطف المتفقين ﴿آخرين﴾ ه ﴿سحر مبين﴾ ه ﴿عليه ملك﴾ ط ﴿لا ينظرون﴾ ه ﴿يلبسون﴾ ه ﴿يستهزءون﴾ ه ﴿المكذبين﴾ ه.
ثم لما زجرهم عن الإعراض والتكذيب والاستهزاء وأوعدهم على ذلك عاد إلى الموعظة والنصيحة بتذكير أحوال الأمم الماضية والقرون الخالية. والقرن القوم المقترنون في زمان من الدهر المفترقون بعد ذلك بالموت وذلك الزمان في الأغلب ستون سنة. وقيل : سبعون. وقيل : ثمانون. والأقرب أنه غير مقدر بزمان لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، ولكنه إذا انقضى الأكثر من أهل كل عصر فقد انقضى القرن. وليس المراد أن يصدّق الكفار محمداً في هذه الأخبار لأنهم بصدد التكذيب فسيكذبونه فيها أيضاً، وإنما المراد أن ما يختص بالمتقدمين منهم مشهور بين الناس فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا تلك الحكايات ومجرّد سماعها يكفي في الاعتبار. ثم وصف تلك القرون بثلاثة أوصاف : الأول : تمكينهم في الأرض. مكن له في الأرض جعل له مكاناً، ومكنه فيها أثبته، وهما متقاربان ولهذا جمع بينهما في الآية. والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما آتينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال وأسباب الدنيا. الثاني : إرسال السماء عليهم مدراراً يعني الغيث أو السحاب أو الخضراء، لأن المطر ينزل من ذلك الصوب والمدرار كثير الدرّدرّ اللين إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير. ومدراراً نعت المطر ويقال أيضاً سحاب مدراراً إذا تتابع أمطاره. ومفعال من أبنية المبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث. الثالث ﴿وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم﴾ أي من تحت أمكنتهم والمراد أنهم أصحاب البساتين والقصور والمنتزهات. فإن قيل : الهلاك غير مختص بهم وإنما يجري ذلك على الأنبياء والمؤمنين أيضاً، قلنا : لدفع هذا الإشكال كرر فقال ﴿فأهلكناهم بذنوبهم﴾ فإن الإهلاك بسبب المعاصي والآثام لا يكون إلا بالعذاب والإيلام. ثم نبه بقوله ﴿وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين﴾ على كمال عزته واستغنائه ونهاية قدرته واستعلائه كقوله ﴿إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد﴾ [فاطر: ١٦] فالبلاد بلاده والعباد عباده بيده التخريب والتعمير وإليه الإعدام والإيجاد. ثم إن الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف متعددة. منهم من بالغ في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها على وفق هواه ومناه لا على قانون الخير والعدل فمنعه ذلك عن التزام التكاليف وهو المذكور في الآية، وفيه أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب الكفر باقٍ، وليس من العقل تحمل العقاب الدائم لأجل اللذات الفانية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : حمد نفسه القديم الأزلي بكلامه القديم الأزلي على أن خلق سموات القلوب وأرض النفوس وجعل الظلمات. أي الصفات البهيمية والسبعية في النفوس والنور في القلوب وهو صفاتها الملكية والروحانية، فخص الجعل بالمعاني التي هي من عالم الأمر والخلق بالأعيان لأنها من عالم الصورة، ولهذا لما ذكر صورة آدم قال ﴿إني خالق بشراً من طين﴾ [ص: ٧١] وحيث أراد معناه قال ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠] ثم بعد هذا الجعل والخلق مال نفوس الكفار بغلبات الظلمات إلى طاغوت الهوى فجعلوه عديلاً لربهم ﴿ثم قضى أجلاً﴾ للروح المفارق عن حضرته لأيام فراقه ﴿وأجل مسمى عنده﴾ وهو أجل الوصال بعد الفراق بجذبة ﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿ثم أنتم تمترون﴾ يا أهل الوصال كما يمتري أهل الفراق وهذا محال ﴿وهو الله﴾ في سموات القلوب وفي أرض النفوس يعلم سر الخلافة الذي أودع فيكم ﴿وجهركم﴾ الذي يظهر عنكم ﴿ويعلم ما تكسبون﴾ باستعمال الاستعداد السري والجهري في المأمورات والمنهيات في الخير أو الشر ﴿من آية من آيات ربهم﴾ في الآفاق وفي أنفسهم مكناهم في طلب الحق من قهر النفس وأسباب الخيرات والطاعات. وأرسلنا مطر الواردات من سماء القلوب عليهم مدراراً متوالياً، وجعلنا أنهار الحكمة تجري من تحت نظرهم فأهلكنا مع هذه المقدمات أرواحهم بسموم ذنوب طلب الدنيا مالها وجاهها ﴿وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين﴾ من الطلاب الصادقين التائبين المستقيمين ﴿لجعلناه رجلاً﴾ ليفهموا خطابه ويكون واقفاً على الأحوال البشرية فيعالجهم بما يرى فيه صلاح حالهم كما قال ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ [إبراهيم: ٤] قل سيروا في أرض النفوس بقدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب فتشاهدوا بأنوار الله المودعة فيها عاقبة من هلكوا في بوادي القطيعة إذ ساروا بقدم الطبيعة.
الوقوف :﴿والنور﴾ ط لأن «ثم» لترتيب الأخبار ﴿يعدلون﴾ ه ﴿أجلاً﴾ ط ﴿تمترون﴾ ه ﴿وفي الأرض﴾ ج وقيل : لا وقف ليصير التقدير وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض وفيه بعد، بل المعنى وهو المستحق للعبودية في أهل السموات وأهل الأرض. ﴿تكسبون﴾ ه ﴿معرضين﴾ ه ﴿لما جاءهم﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿يستهزءون﴾ ه ﴿مدراراً﴾ ص لعطف المتفقين ﴿آخرين﴾ ه ﴿سحر مبين﴾ ه ﴿عليه ملك﴾ ط ﴿لا ينظرون﴾ ه ﴿يلبسون﴾ ه ﴿يستهزءون﴾ ه ﴿المكذبين﴾ ه.
ثم لما زجرهم عن الإعراض والتكذيب والاستهزاء وأوعدهم على ذلك عاد إلى الموعظة والنصيحة بتذكير أحوال الأمم الماضية والقرون الخالية. والقرن القوم المقترنون في زمان من الدهر المفترقون بعد ذلك بالموت وذلك الزمان في الأغلب ستون سنة. وقيل : سبعون. وقيل : ثمانون. والأقرب أنه غير مقدر بزمان لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، ولكنه إذا انقضى الأكثر من أهل كل عصر فقد انقضى القرن. وليس المراد أن يصدّق الكفار محمداً في هذه الأخبار لأنهم بصدد التكذيب فسيكذبونه فيها أيضاً، وإنما المراد أن ما يختص بالمتقدمين منهم مشهور بين الناس فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا تلك الحكايات ومجرّد سماعها يكفي في الاعتبار. ثم وصف تلك القرون بثلاثة أوصاف : الأول : تمكينهم في الأرض. مكن له في الأرض جعل له مكاناً، ومكنه فيها أثبته، وهما متقاربان ولهذا جمع بينهما في الآية. والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما آتينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال وأسباب الدنيا. الثاني : إرسال السماء عليهم مدراراً يعني الغيث أو السحاب أو الخضراء، لأن المطر ينزل من ذلك الصوب والمدرار كثير الدرّدرّ اللين إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير. ومدراراً نعت المطر ويقال أيضاً سحاب مدراراً إذا تتابع أمطاره. ومفعال من أبنية المبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث. الثالث ﴿وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم﴾ أي من تحت أمكنتهم والمراد أنهم أصحاب البساتين والقصور والمنتزهات. فإن قيل : الهلاك غير مختص بهم وإنما يجري ذلك على الأنبياء والمؤمنين أيضاً، قلنا : لدفع هذا الإشكال كرر فقال ﴿فأهلكناهم بذنوبهم﴾ فإن الإهلاك بسبب المعاصي والآثام لا يكون إلا بالعذاب والإيلام. ثم نبه بقوله ﴿وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين﴾ على كمال عزته واستغنائه ونهاية قدرته واستعلائه كقوله ﴿إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد﴾ [فاطر: ١٦] فالبلاد بلاده والعباد عباده بيده التخريب والتعمير وإليه الإعدام والإيجاد. ثم إن الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف متعددة. منهم من بالغ في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها على وفق هواه ومناه لا على قانون الخير والعدل فمنعه ذلك عن التزام التكاليف وهو المذكور في الآية، وفيه أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب الكفر باقٍ، وليس من العقل تحمل العقاب الدائم لأجل اللذات الفانية.