الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قول تعالى :﴿أَنَدْعُواْ﴾ : استفهام توبيخ وإنكار، والجملة في محل نصب بالقول، و " ما " مفعولةٌ ب " ندعو " وهي موصولةٌ أو نكرةٌ موصوفة، و " مِنْ دون الله " متعلِّقٌ ب " ندعو " قال أبو البقاء :" ولا يجوز أن يكونَ حالاً من الضمير في " يَنْفَعنا " ولا معمولاً ل " ينفعنا " لتقدُّمِه على " ما " والصلةُ والصفةُ لا تعمل فيما قبل الموصول والموصوف، " قوله " من الضمير في يَنْفعنا " يعني به المرفوعَ العائدَ على " ما " وقوله :" لا تعمل فيما قبل الموصول والموصوف " يعني أن " ما " لا تخرج عن هذين القسمين، ولكن يجوز أن يكون " من دون " حالاً من " ما " نفسها على قوله : إذ لم يجعل المانعَ من جَعْلِه حالاً من ضميره الذي في " ينفعنا " إلا صناعياً لا معنوياً، ولا فرق بين الظاهر وضميره بمعنى أنه إذا جاز أن يكون حالاً من ظاهر جاز أن يكون حالاً من ضميره، إلا أن يمنع مانع.
قوله :﴿وَنُرَدُّ﴾ فيه وجهان أظهرهما : أنه نسقٌ على " ندعو " فهو داخلٌ في حيِّز الاستفهام المتسلط عليه القول. والثاني : أنه حال على إضمار مبتدأ أي : ونحن نُرَدُّ. قال الشيخ بعد نقله عن أبي البقاء :" وهو ضعيفٌ لإِضمار المبتدأ، ولأنها تكون حالاً مؤكدة " وفي كونها مؤكِّدةً نظر، لأنَّ المؤكِّدةَ، ما فُهِم معناها من الأول وكأنه يقول مِنْ لازم الدعاء " من دون الله " الارتداد على العَقِب.
قوله :﴿عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ فيه وجهان، أحدهما : أنه متعلقٌ ب " نُرَدٌّ " والثاني : أنَّه متعلِّقٌ بمحذوف على أنه حال من مرفوع " نُرَدُّ " أي : نُرَدٌّ راجعين على أَعقابنا أو منقلبين أو متأخرين، كذا قدَّره وهو تفسيرُ معنى، إذ المقدَّر في مثله كون مطلق، وهذا يحتمل أن يُقال فيه إنه حال مؤكدة، و " بعد إذ " متعلق ب " نُرَدٌّ ".
قوله :﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ﴾ في هذه الكاف وجهان، أحدهما : أنه نعت مصدر محذوف أي : نُرَدٌّ رَدَّاً مثل ردِّ الذين. والثاني : أنها في محل نصب على الحال من مرفوع " نرد " أي : نُرَدُّ مشبهين الذي استهوته الشياطين، فمَنْ جوَّز تعدُّدَ الحال جَعَلَها حالاً ثانية إن جعل " على أعقابنا " حالاً، ومَنْ لم يُجَوِّزْ ذلك جَعَلَ هذه الحالَ بدلاً من الحالِ الأولى، ألم يجعل " على أعقابنا " حالاً بل متعلقاً ب " نُرَدٌّ "
والجمهورُ على " اسْتَهْوَتْهُ " بتاء التأنيث وحمزة " استهواه " وهو على قاعدِته من الإِمالة، الوجهان معروفان ممَّا تقدَّم في :﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾
[الأنعام: ٦١]. وقرأ ابو عبد الرحمن والأعمش :" استهوَتْه الشيطان " بتأنيث الفعل والشيطان مفردٌ قال الكسائي :" وهي كذلك في مصحف ابن مسعود " وتوجيهُ هذه القراءة أنها نُؤوِّل المذكر بمؤنث كقولهم :" أتته كتابي فاحترقها " أي : صحيفتي، وتقدم له نظائر. وقرأ الحسن البصري :" الشياطون " وجعلوها لحناً ولا تصل إلى اللحن، إلا أنها لُغَيَّةٌ رديئةٌ، سُمِع : حول بستان فلانٍ بساتون، وله سَلاطون، ويحكى أنه لمَّا حُكِيَتْ قراءة الحسن لحَّنه بعضهم، فقال الفراء :" أَيْ والله يُلحِّنون الشيخ، ويستشدون بقول رؤبة " ولعمري لقد صدق الفراء في إنكار ذلك. والمراد بالذي الجنس، ويحتمل أن يُراد به الواحدُ الفذُّ.
قوله :﴿فِي الأَرْضِ﴾ فيه أربعةُ أوجه، أحدها : أنه متعلقٌ بقوله :﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ الثاني : أنه حال من مفعول " استهوته " الثالث : أنه حال من " حَيْران " الرابع : أنه حال من الضمير المستكنّ في " حيران " و " حَيْران " حال : إمَّا من هاء " اسْتَهْوَتْه " على أنها بدل من الأولى أو عند مَنْ يُجيز تَعَدُّدها، وإمَّا من " الذي " وإمَّا من الضمير المستكنِّ في الظرف، وحيران مؤنَّثُه حَيْرى، ولذلك لم ينصرف والفعل حار يحار حَيْرةً وحَيَراناً وحَيْرورة.
قوله :﴿لَهُ أَصْحَابٌ﴾ جملة في محصل نصب صفة لحيران، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في حيران وأن تكون مستأنفةً و " إلى الهدى " متعلِّقٌ ب " يَدْعُونه " وفي مصحف ابن مسعود وقراءته :" أتينا " بصيغة الماضي، و " إلى الهدى " على هذه القراءة متعلِّقٌ به، وعلى قراءة الجمهورِ : الجملة الأمريَّة في محل نصب بقول مضمر اي : يقولون ائتنا، والقول المضمر في محلِّ صفةٍ لأصحاب وكذلك " يدعونه ".
قوله :﴿لِنُسْلِمَ﴾ في هذه اللام أقوال، أحدها :- وهو مذهب سيبويه - أن هذه اللامَ بعد الإِرادة والأمر وشبهِهِما متعلقة بمحذوف على أنه خبر للمبتدأ وذلك المبتدأ هو مصدر من ذلك الفعل المتقدم، فإذا قلت : أردْتَ لتقوم، وأمرت زيداً ليذهب كان التقدير : الإِرادة للقيام والأمر للذهاب، كذا نقل الشيخ ذلك عن سيبويه وأصحابه وفيه ضعفٌ قد قَدَّمْتُه في سورة النساء عند قوله :﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [ الآية : ٢٦ ]. الثاني : أن مفعول الأمر والإِرادة محذوف، وتقديره : وأُمِرْنا بالإِخلاص لنُسْلِمَ
الثالث : قال الزمخشري :" هي تعليل للأمر بمعنى : أُمِرْنا وقيل لنا أسلموا لأجل أن نُسْلم " الرابع : أن اللام زائدة أي : أُمِرْنا أن نُسِلمَ الخامس : أنها معنى الباء أي : بأَنْ نُسْلِمَ. السادس : أن اللام وما بعدها مفعول الأمر واقعة موقع " أن " أي أنهما يتعاقبان فتقول : أمرتُك لتقومَ وأن تقوم، وهذا مذهب الكوفيين. وقال ابن عطية :" ومذهبُ سيبويه أنَّ " لنُسْلِمَ " في موضع المفعول وأنَّ قولك :" أُمِرْت لأقومَ وأَنْ أقومَ " يجريان سواء وقال الشاعر :
وهذا ليس مَذْهَبَ سيبويه إنما مذهبُه ما تقدَّم، وقد تقدَّم تحقيق هذه المسألة في السورةِ المشارِ إليها قبلُ.
قوله :﴿وَنُرَدُّ﴾ فيه وجهان أظهرهما : أنه نسقٌ على " ندعو " فهو داخلٌ في حيِّز الاستفهام المتسلط عليه القول. والثاني : أنه حال على إضمار مبتدأ أي : ونحن نُرَدُّ. قال الشيخ بعد نقله عن أبي البقاء :" وهو ضعيفٌ لإِضمار المبتدأ، ولأنها تكون حالاً مؤكدة " وفي كونها مؤكِّدةً نظر، لأنَّ المؤكِّدةَ، ما فُهِم معناها من الأول وكأنه يقول مِنْ لازم الدعاء " من دون الله " الارتداد على العَقِب.
قوله :﴿عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ فيه وجهان، أحدهما : أنه متعلقٌ ب " نُرَدٌّ " والثاني : أنَّه متعلِّقٌ بمحذوف على أنه حال من مرفوع " نُرَدُّ " أي : نُرَدٌّ راجعين على أَعقابنا أو منقلبين أو متأخرين، كذا قدَّره وهو تفسيرُ معنى، إذ المقدَّر في مثله كون مطلق، وهذا يحتمل أن يُقال فيه إنه حال مؤكدة، و " بعد إذ " متعلق ب " نُرَدٌّ ".
قوله :﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ﴾ في هذه الكاف وجهان، أحدهما : أنه نعت مصدر محذوف أي : نُرَدٌّ رَدَّاً مثل ردِّ الذين. والثاني : أنها في محل نصب على الحال من مرفوع " نرد " أي : نُرَدُّ مشبهين الذي استهوته الشياطين، فمَنْ جوَّز تعدُّدَ الحال جَعَلَها حالاً ثانية إن جعل " على أعقابنا " حالاً، ومَنْ لم يُجَوِّزْ ذلك جَعَلَ هذه الحالَ بدلاً من الحالِ الأولى، ألم يجعل " على أعقابنا " حالاً بل متعلقاً ب " نُرَدٌّ "
والجمهورُ على " اسْتَهْوَتْهُ " بتاء التأنيث وحمزة " استهواه " وهو على قاعدِته من الإِمالة، الوجهان معروفان ممَّا تقدَّم في :﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾
[الأنعام: ٦١]. وقرأ ابو عبد الرحمن والأعمش :" استهوَتْه الشيطان " بتأنيث الفعل والشيطان مفردٌ قال الكسائي :" وهي كذلك في مصحف ابن مسعود " وتوجيهُ هذه القراءة أنها نُؤوِّل المذكر بمؤنث كقولهم :" أتته كتابي فاحترقها " أي : صحيفتي، وتقدم له نظائر. وقرأ الحسن البصري :" الشياطون " وجعلوها لحناً ولا تصل إلى اللحن، إلا أنها لُغَيَّةٌ رديئةٌ، سُمِع : حول بستان فلانٍ بساتون، وله سَلاطون، ويحكى أنه لمَّا حُكِيَتْ قراءة الحسن لحَّنه بعضهم، فقال الفراء :" أَيْ والله يُلحِّنون الشيخ، ويستشدون بقول رؤبة " ولعمري لقد صدق الفراء في إنكار ذلك. والمراد بالذي الجنس، ويحتمل أن يُراد به الواحدُ الفذُّ.
قوله :﴿فِي الأَرْضِ﴾ فيه أربعةُ أوجه، أحدها : أنه متعلقٌ بقوله :﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ الثاني : أنه حال من مفعول " استهوته " الثالث : أنه حال من " حَيْران " الرابع : أنه حال من الضمير المستكنّ في " حيران " و " حَيْران " حال : إمَّا من هاء " اسْتَهْوَتْه " على أنها بدل من الأولى أو عند مَنْ يُجيز تَعَدُّدها، وإمَّا من " الذي " وإمَّا من الضمير المستكنِّ في الظرف، وحيران مؤنَّثُه حَيْرى، ولذلك لم ينصرف والفعل حار يحار حَيْرةً وحَيَراناً وحَيْرورة.
قوله :﴿لَهُ أَصْحَابٌ﴾ جملة في محصل نصب صفة لحيران، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في حيران وأن تكون مستأنفةً و " إلى الهدى " متعلِّقٌ ب " يَدْعُونه " وفي مصحف ابن مسعود وقراءته :" أتينا " بصيغة الماضي، و " إلى الهدى " على هذه القراءة متعلِّقٌ به، وعلى قراءة الجمهورِ : الجملة الأمريَّة في محل نصب بقول مضمر اي : يقولون ائتنا، والقول المضمر في محلِّ صفةٍ لأصحاب وكذلك " يدعونه ".
قوله :﴿لِنُسْلِمَ﴾ في هذه اللام أقوال، أحدها :- وهو مذهب سيبويه - أن هذه اللامَ بعد الإِرادة والأمر وشبهِهِما متعلقة بمحذوف على أنه خبر للمبتدأ وذلك المبتدأ هو مصدر من ذلك الفعل المتقدم، فإذا قلت : أردْتَ لتقوم، وأمرت زيداً ليذهب كان التقدير : الإِرادة للقيام والأمر للذهاب، كذا نقل الشيخ ذلك عن سيبويه وأصحابه وفيه ضعفٌ قد قَدَّمْتُه في سورة النساء عند قوله :﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [ الآية : ٢٦ ]. الثاني : أن مفعول الأمر والإِرادة محذوف، وتقديره : وأُمِرْنا بالإِخلاص لنُسْلِمَ
الثالث : قال الزمخشري :" هي تعليل للأمر بمعنى : أُمِرْنا وقيل لنا أسلموا لأجل أن نُسْلم " الرابع : أن اللام زائدة أي : أُمِرْنا أن نُسِلمَ الخامس : أنها معنى الباء أي : بأَنْ نُسْلِمَ. السادس : أن اللام وما بعدها مفعول الأمر واقعة موقع " أن " أي أنهما يتعاقبان فتقول : أمرتُك لتقومَ وأن تقوم، وهذا مذهب الكوفيين. وقال ابن عطية :" ومذهبُ سيبويه أنَّ " لنُسْلِمَ " في موضع المفعول وأنَّ قولك :" أُمِرْت لأقومَ وأَنْ أقومَ " يجريان سواء وقال الشاعر :
| أُريد لأَنْسى حبَّها فكأنَّما | تَمثَّلُ لي ليلى بكل طريقِ |