بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
ثم خوّفهم فقال :﴿وَهُوَ الذي خَلَق السماوات والأرض بالحق﴾ يعني : للحق والعبرة ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ اليوم صار نصباً، لأن معناه : واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً. ويقال : معناه واذكروا يوم يقول :﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ يعني : يوم البعث يقول : انتشروا فانتشروا كلهم كقوله تعالى :﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث﴾ يعني : القبور ﴿خُشَّعاً أبصارهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧].
ثم قال ﴿قَوْلُهُ الحق﴾ ﴿قَوْلُهُ﴾ رفع بالابتداء، وخبره ﴿الحق﴾ يعني : قوله الصدق أنه كائن. قرأ ابن عامر ﴿فَيَكُونُ﴾ بالنصب على معنى الخير، وكذا في كل القرآن، إلا في موضعين : هاهنا، وفي آل عمران. وقرأ الباقون : بالرفع على معنى الخبر.
﴿وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور﴾ يوم صار نصباً لنزع الخافض. ومعناه : وله الملك في يوم ينفخ في الصور وهذا كقوله عز وجل :﴿يَوْمَ هُم بارزون لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] وكقوله :﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ [الفاتحة: ٤] ويقال : هذا مبين لقوله الأول، ومعناه : يوم يقول له ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور﴾ وروي عن أبي عبيدة أنه قال : معناه : يوم يَنْفُخ الأرواح في الصور. يعني : في الأجسام. وهذا خلاف أقاويل جميع المفسرين لأنهم كلهم قالوا : هو نفخ إسرافيل في الصور. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال :« كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الصُّورِ قَدِ الْتَقَمَهُ » وفي خبر آخر « وَصَاحِبُ الصُّوَرِ قَدِ الْتَقَمَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخَ فِيهِ »
ثم قال :﴿عالم الغيب والشهادة﴾ ﴿الغيب﴾ ما غاب عن العباد ﴿والشهادة﴾ ما علم العباد به، ويقال السر والعلانية. ويقال ﴿عالم﴾ بما يكون وبما قد كان. ويقال :﴿عالم﴾ بأمر الآخرة وبأمر الدنيا ﴿وَهُوَ الحكيم الخبير﴾ يعني :﴿الحكيم﴾ في أمره ﴿الخبير﴾ بأفعال الخلق وبأمر البعث.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى