إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود

عن الكتاب
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾ جملةٌ مستأنفة سيقت بطريق تلوينِ الخطاب لبيان شدةِ شكيمتِهم في المكابرة وما يتفرَّع عليها من الأقاويل الباطلةِ إثْرَ بيانِ إعراضِهم عن آياتِ الله تعالى وتكذيبِهم بالحق واستحقاقِهم بذلك لنزولِ العذاب، ونسبةُ التنزيل هاهنا إليه عليه السلام مع نسبة إتيانِ الآياتِ ومجيءِ الحقِّ فيما سبق إليهم للإشعار بقَدْحهم في نبوته عليه السلام في ضمن قدحِهم فيما نزل عليه صريحاً. وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في النَّضْر بنِ الحاث وعبدِ اللَّه بنِ أبي أميةَ ونوفلَ بنِ خويلد حيث قالوا لرسول الله ﷺ : لن نؤمنَ لك حتى تأتيَنا بكتاب من عند الله ومعه أربعةٌ من الملائكة يشهدون أنه من عند الله تعالى، وأنك رسولُه ﴿كتاباً﴾ إن جُعل اسماً كالإمام فقوله :﴿في قِرْطَاسٍ﴾ متعلقٌ بمحذوف وقع صفة له، أي كتاباً كائناً في صحيفة. وإن جعل مصدراً بمعنى المكتوب فهو متعلِّق بنفسه ﴿فَلَمَسُوهُ﴾ أي الكتابَ وقيل : القرطاس، وقوله تعالى :﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ مع ظهور أن اللمس لا يكون عادةً إلا بالأيدي لزيادة التعيينِ ودفع احتمالِ التجوُّز الواقعِ في قوله تعالى :﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السماء﴾ [ الجن، الآية ٨ ] أي تفحّصنا، أي فمسُّوه بأيديهم بعد ما رأَوْه بأعينهم، بحيث لم يبقَ لهم في شأنه اشتباه، ولم يقدِروا على الاعتذار بتكسير الأبصار ﴿لَقَالَ الذين كَفَرُوا﴾ أي لقالوا، وإنما وضع الموصولُ موضع الضمير للتنصيص على اتصافهم بما في حيز الصلة من الكفر الذي لا يخفى حسنُ موقعِه باعتبار مفهومه اللغوي أيضاً ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي ما هذا مشيرين إلى ذلك الكتاب ﴿إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي بيِّنٌ كونُه سحراً، تعنتاً وعناداً للحق بعد ظهوره كما هو دأْبُ المُفحَمِ المحجوج، وديدَنُ المكابِرِ اللَّجوج.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى