غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿إني أراك﴾ بفتح الياء : أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿لأبيه آزر﴾ بالضم على النداء : يعقوب ﴿رأى كوكباً﴾ بإمالة الهمزة : أبو عمرو غير عباس والنجاري عن ورش. وكذلك ﴿رآه﴾ و﴿رآك﴾ وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وعباس وهبيرة من طريق الخراز بكسر الراء والهمزة. وافق ابن ذكوان في ﴿رأى﴾ فقط وخالفهم فيما اتصلت بالكاف والهاء في سورة النجم. وافق ابن مجاهد والنقاش بالإمالة وكسر الراء في سورة «اقرأ باسم» ﴿رأى القمر﴾ و﴿رأى الشمس﴾ ونحوهما بكسر الراء وفتح الهمزة : حمزة وخلف ونصر وعباس ويحي والخراز. وروى خلف عن يحي بكسر الراء والهمزة ﴿أتحاجوني﴾ بتخفيف النون : أبو جعفر ونافع وابن ذكوان. الباقون : بإدغام نون الإعراب في نون الوقاية ﴿وقد هدان﴾ بالإمالة : علي. وقرأ سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الحالين، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل. ﴿درجات﴾ بالتنوين : عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.
الوقوف :﴿آلهة﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول. ﴿مبين﴾ ه ﴿الموقنين﴾ ه ﴿رأى كوكباً﴾ ج لأن جواب «لما» قوله «رأى» مع اتحاد الكلام بلا عطف ﴿ربي﴾ ج لأن جواب «لما» منتظر مع فاء التعقيب فيها. ﴿الآفلين﴾ ه ﴿هذا ربي﴾ ج لذلك ﴿الضالين﴾ ه ﴿هذا أكبر﴾ ج لذلك ﴿يشركون﴾ ه ﴿المشركين﴾ ج لاحتمال الواو الحال أي وقد حاجه. ﴿قومه﴾ ط ﴿هدان﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿شيئا﴾ ط ﴿علما﴾ ط ﴿تتذكرون﴾ ه ﴿سلطانا﴾ ط للاستفهام بعد تمام الاستفهام ﴿بالأمن﴾ ج لأن جواب «إن» منتظر محذوف التقدير : إن كنتم تعلمون فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿تعلمون﴾ ه لتناهي الاستفهام وابتداء إخبار، ولو وصل اتصل بما قبله ﴿يهتدون﴾ ه ﴿على قومه﴾ ط ﴿من نشاء﴾ ط ﴿عليم﴾ ه.
ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله ﴿الذين آمنوا﴾ الآية، والمعنى أن الذي حصل لهم الأمن المطلق هم المستجمعون لكمال القوة النظرية وسنامه الإيمان، ولكمال القوة العلمية وهو وضع الأشياء في موضعها وإليه الإشارة بقوله ﴿ولم يلبسوا﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم ﴿بظلم﴾. قالت الأشاعرة : شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم، ولو كان ترك الظلم داخلاً في الإيمان لم يكن لهذا التقييد فائدة فثبت أن الفاسق مؤمن. وقالت المعتزلة : شرط في حصول الأمن حصول الأمرين : الإيمان وعدم الظلم. فوجب أن لا يحصل إلا من الفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له أبداً. وأجيب بأن الظلم هاهنا الشرك لقوله ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣] واجتماعه مع الإقرار بالصانع ممكن وحينئذ يصح إطلاق اللبس بمعنى الخلط ويكون المراد : الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا له شريكاً في المعبودية، ويؤيده أن القصة وردت في نفس الأضداد والأنداد. وأيضاً لا يلزم من عدم الأمن المطلق حصول القطع بالعذاب الأبدي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : رأى إبراهيم ملكوت الأشياء أي بواطنها ليكون من الموقنين عند كشفها كما كان موقناً عند كشف الضلال المودع في آزر وقومه ﴿فلما جن عليه﴾ ظلمة ليل البشرية أمطر سحاب العناية غيث الهداية على أرض قلبه فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه، فرأى نور الرشد في صورة الكوكب طالعاً من أفق سماء روحانيته فقال :﴿هذا ربي﴾ أراد به سره المكوكب لا الكوكب وإن لم يشعر به نفسه كما قيل :
فإن كذبت النفس فيما قالت للكواكب «هذا ربي» ما كذب الفؤاد ما رأى من الكوكب. فقال ﴿هذا ربي﴾ فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب قال سره ﴿لا أحب الآفلين﴾ فلما اتسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر ﴿قال هذا ربي فلما أفل﴾ عند رجوعه إلى أوصافه ازداد الشوق قال إن ﴿لم يهدني ربي﴾ برفع حجب الأوصاف ويبقني على وجود الخليقة ﴿لأكونن من القوم الضالين﴾ عن الحق كآزر وقومه. فلما انخرقت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية، وأشرقت أرض القلب بنور ربها ﴿قال هذا ربي فلما أفلت﴾ شمس الهداية تعززاً وتعظماً ليغرب إبراهيم عليه السلام عن شرك الأنانية.
تبرأ عن الأضداد والأنداد ونزعته همة الخلة عن الجهات وخلصه تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال. فقال ﴿يا قوم إني بريء مما تشركون﴾ وقد يدور في الخلد أن إبراهيم صلوات الله الرحمن عليه جن عليه ظلمة الشبهة فنظر أولاً في عالم الأجسام فوجدها آفلة في أفق التغير فلم يرها تصلح للإلهية، فارتقى منها إلى عالم النفوس المدبرة للأجسام فرآها آفلة في أفق الاستكمال فكان حكمها حكم ما دونها فصعد منها إلى عالم العقول المجردة، فصادفها آفلة في أفق الإمكان فلم يبقَ إلا الواجب الحق. ومن الناس من حمل الكوكب على الحس، والقمر على الخيال، والشمس على الوهم والعقل، ومراده أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية القوة، ومدبر العالم قاهر لها مستولٍ عليها ﴿وحاجة قومه﴾ ليسبلوا ستور شبههم على شموس عرفانه، وقد هداني إليه بالعيان بعد توالي البرهان ﴿إلا أن يشاء ربي شيئاً﴾ من الخذلان وهذا محال لأنه ﴿وسع ربي كل شيء علماً﴾ فهو أعلم بأهل العرفان وبأصحاب الخذلان ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان حتى قال لجبريل : أما إليك فلا ﴿وتلك﴾ يعني إراءة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق والتبري عما سواه والخلاص عن شرك الأنانية والإيمان الحقيقي بالعيان حتى ارتقى من الأفعال إلى الصفات ثم إلى الذات ﴿آتيناها إبراهيم﴾ بذاتنا من غير واسطة حتى جعلها حجة على قومه ﴿نرفع درجات من نشاء﴾ بجذبات الألوهية عن حضيض الأنانية الله حسبي.
الوقوف :﴿آلهة﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول. ﴿مبين﴾ ه ﴿الموقنين﴾ ه ﴿رأى كوكباً﴾ ج لأن جواب «لما» قوله «رأى» مع اتحاد الكلام بلا عطف ﴿ربي﴾ ج لأن جواب «لما» منتظر مع فاء التعقيب فيها. ﴿الآفلين﴾ ه ﴿هذا ربي﴾ ج لذلك ﴿الضالين﴾ ه ﴿هذا أكبر﴾ ج لذلك ﴿يشركون﴾ ه ﴿المشركين﴾ ج لاحتمال الواو الحال أي وقد حاجه. ﴿قومه﴾ ط ﴿هدان﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿شيئا﴾ ط ﴿علما﴾ ط ﴿تتذكرون﴾ ه ﴿سلطانا﴾ ط للاستفهام بعد تمام الاستفهام ﴿بالأمن﴾ ج لأن جواب «إن» منتظر محذوف التقدير : إن كنتم تعلمون فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿تعلمون﴾ ه لتناهي الاستفهام وابتداء إخبار، ولو وصل اتصل بما قبله ﴿يهتدون﴾ ه ﴿على قومه﴾ ط ﴿من نشاء﴾ ط ﴿عليم﴾ ه.
ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله ﴿الذين آمنوا﴾ الآية، والمعنى أن الذي حصل لهم الأمن المطلق هم المستجمعون لكمال القوة النظرية وسنامه الإيمان، ولكمال القوة العلمية وهو وضع الأشياء في موضعها وإليه الإشارة بقوله ﴿ولم يلبسوا﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم ﴿بظلم﴾. قالت الأشاعرة : شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم، ولو كان ترك الظلم داخلاً في الإيمان لم يكن لهذا التقييد فائدة فثبت أن الفاسق مؤمن. وقالت المعتزلة : شرط في حصول الأمن حصول الأمرين : الإيمان وعدم الظلم. فوجب أن لا يحصل إلا من الفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له أبداً. وأجيب بأن الظلم هاهنا الشرك لقوله ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣] واجتماعه مع الإقرار بالصانع ممكن وحينئذ يصح إطلاق اللبس بمعنى الخلط ويكون المراد : الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا له شريكاً في المعبودية، ويؤيده أن القصة وردت في نفس الأضداد والأنداد. وأيضاً لا يلزم من عدم الأمن المطلق حصول القطع بالعذاب الأبدي.
| هوى فؤادي ولم يعلم به بدني | فالجسم في غربة والروح في وطن |
| إن شمس النهار تغرب بالليل | وشمس القلوب ليست تغيب. |