المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿الذين آمنوا﴾ الآية، ﴿الذين﴾ رفع بالابتداء، و ﴿يلبسوا﴾ معناه يخلطوا، و «الظلم » في هذه الآية الشرك، تظاهرت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ، وعن جماعة من الصحابة أنه لما نزلت هذه الآية أشفق أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا : أيّنا لم يظلم نفسه ؟ فقال رسول الله ﷺ :«إنما ذلك كما قال لقمان : إن الشرك لظلم عظيم »(١) وروي أن عمر بن الخطاب قرأ في المصحف فلما أتى عليها عظمت عليه، فلبس رداءه ومر إلى أبي بن كعب، فقال : يا أبا المنذر وسأله عنها، فقال له إنه الشرك يا أمير المؤمنين، فسري عن عمر(٢)، وجرى لزيد بن صوحان(٣) مع سلمان نحو مما جرى لعمر مع أبي بن كعب رضي الله عنهم، وقرأ مجاهد، «ولم يلبسوا إيمانهم بشرك » وقرأ عكرمة «يُلبسوا » بضم الياء، و ﴿الأمن﴾ رفع بالابتداء وخبره في المجرور والجملة خبر ﴿أولئك﴾، ﴿وهم مهتدون﴾ أي راشدون، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : المراد بهذه الآية إبراهيم خاصة، وقال عكرمة : نزلت في مهاجري أصحاب محمد عليه السلام خاصة، وقالت فرقة : هي من قول إبراهيم لقومه فهي من الحجة التي أوتيها، وقال ابن جريج هي من قول قوم إبراهيم ويجيء هذا من الحجة أيضاً أن أقروا بالحق وهم قد ظلموا في الإشراك، وقال ابن إسحاق وابن زيد وغيرهما : بل ذلك قول من الله عز وجل ابتداء حكم فصل عام لوقت محاجة إبراهيم وغيره، ولكل مؤمن تقدم أو تأخر.
قال القاضي أبو محمد : وهذا هو البين الفصيح الذي يرتبط به معنى الآية ويحسن رصفها.
١ - قال القرطبي: وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه: ثم ذكر الحديث وفي (الدر المنثور ٣/ ٢٦-٢٧): أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني في الإفراد، وأبو الشيخ، وابن مردويه- عن عبد الله بن مسعود. ولفظه كما رواه: (قال: لما نزلت هذه الآية ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ شق ذلك على الناس فقالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: (إن الشرك لظلم عظيم) إنما هو الشرك..
٢ - أخرجه ابن المنذر، والحاكم، وابن مردويه- عن ابن عباس رضي الله عنهما. (الدر المنثور ٣/ ٢٧)..
٣ - هو زيد بن صوحان بن حجر بن الحارث، أبو سليمان. أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. (التاج)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى