غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿وأنشأنا﴾ بغير همز حيث كان : أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف. ﴿ولقد استهزئ﴾ وبابه بالهمز : أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم، وقرأ يزيد والشموني وحمزة في الوقف بغير همز الباقون بغير همز مطلقاً ﴿فحاق﴾ بالإمالة حيث كان حمزة.
الوقوف :﴿والنور﴾ ط لأن «ثم» لترتيب الأخبار ﴿يعدلون﴾ ه ﴿أجلاً﴾ ط ﴿تمترون﴾ ه ﴿وفي الأرض﴾ ج وقيل : لا وقف ليصير التقدير وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض وفيه بعد، بل المعنى وهو المستحق للعبودية في أهل السموات وأهل الأرض. ﴿تكسبون﴾ ه ﴿معرضين﴾ ه ﴿لما جاءهم﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿يستهزءون﴾ ه ﴿مدراراً﴾ ص لعطف المتفقين ﴿آخرين﴾ ه ﴿سحر مبين﴾ ه ﴿عليه ملك﴾ ط ﴿لا ينظرون﴾ ه ﴿يلبسون﴾ ه ﴿يستهزءون﴾ ه ﴿المكذبين﴾ ه.
ومن الكفرة من قابل النبوات بإيراد الشبهات والاقتراحات. قال الكلبي : إن مشركي مكة قالوا : يا محمد والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله وذلك قوله ﴿وقالوا لولا أنزل عليه ملك﴾ فأجاب الله تعالى عن مقترحهم بقوله ﴿ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون﴾ ومعنى القضاء الإتمام والإلزام كما مر. وتقرير الجواب أن إنزال الملك على البشرية آية باهرة وحينئذ ربما لم يؤمنوا فيجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال، أو لعلهم إذا شاهدوا الملك زهقت أرواحهم. ألا ترى أن رسول الله ﷺ لما رأى جبرائيل على صورته الأصلية غشي عليه ؟ وأن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشرة كأضياف إبراهيم ولوط، وكالذين تسوّروا المحراب، وأن جبرائيل تمثل لمريم بشراً سوياً ؟ وفائدة ثمَّ أن عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجأة الشدة أفظع من نفس الشدة. ثم إنهم كانوا يطعنون في نبوة محمد ﷺ من جهة أخرى وهي أنه بشر مثلهم ويقولون :﴿لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً﴾ [الفرقان: ٧] وتقرير الشبهة أن الرسل إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر وقدرتهم أشد ومهابتهم أعظم وامتيازهم عن الخلق أكمل والاشتباه في نبوتهم ورسالتهم أقل، والحكيم إذا أراد تحصيل مهم اختار ما هو أسرع إفضاء إلى المطلوب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : حمد نفسه القديم الأزلي بكلامه القديم الأزلي على أن خلق سموات القلوب وأرض النفوس وجعل الظلمات. أي الصفات البهيمية والسبعية في النفوس والنور في القلوب وهو صفاتها الملكية والروحانية، فخص الجعل بالمعاني التي هي من عالم الأمر والخلق بالأعيان لأنها من عالم الصورة، ولهذا لما ذكر صورة آدم قال ﴿إني خالق بشراً من طين﴾ [ص: ٧١] وحيث أراد معناه قال ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠] ثم بعد هذا الجعل والخلق مال نفوس الكفار بغلبات الظلمات إلى طاغوت الهوى فجعلوه عديلاً لربهم ﴿ثم قضى أجلاً﴾ للروح المفارق عن حضرته لأيام فراقه ﴿وأجل مسمى عنده﴾ وهو أجل الوصال بعد الفراق بجذبة ﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿ثم أنتم تمترون﴾ يا أهل الوصال كما يمتري أهل الفراق وهذا محال ﴿وهو الله﴾ في سموات القلوب وفي أرض النفوس يعلم سر الخلافة الذي أودع فيكم ﴿وجهركم﴾ الذي يظهر عنكم ﴿ويعلم ما تكسبون﴾ باستعمال الاستعداد السري والجهري في المأمورات والمنهيات في الخير أو الشر ﴿من آية من آيات ربهم﴾ في الآفاق وفي أنفسهم مكناهم في طلب الحق من قهر النفس وأسباب الخيرات والطاعات. وأرسلنا مطر الواردات من سماء القلوب عليهم مدراراً متوالياً، وجعلنا أنهار الحكمة تجري من تحت نظرهم فأهلكنا مع هذه المقدمات أرواحهم بسموم ذنوب طلب الدنيا مالها وجاهها ﴿وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين﴾ من الطلاب الصادقين التائبين المستقيمين ﴿لجعلناه رجلاً﴾ ليفهموا خطابه ويكون واقفاً على الأحوال البشرية فيعالجهم بما يرى فيه صلاح حالهم كما قال ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ [إبراهيم: ٤] قل سيروا في أرض النفوس بقدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب فتشاهدوا بأنوار الله المودعة فيها عاقبة من هلكوا في بوادي القطيعة إذ ساروا بقدم الطبيعة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى