كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ ؛ قال ابن عبَّاس وسعيدُ بن جُبير في معنى هذه الآية :" جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُقَال لَهُ مَالِكُ بنُ الصَّيْفِ، وَكَأنَ رَأْسَ الْيَهُودِ ؛ فَقَِالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ :" أُنْشِدُكَ اللهَ يَا مَالِكُ بالَّذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى عليه السلام ؛ أتَجِدُ فِيْهَا أنَّ اللهَ يَبْغَضُ الْحَبْرَ السَّمِيْنَ ؟ " قَالَ : نَعَمْ. قَالَ :" فأَنْتَ الْحَبْرُ السَّمِيْنُ، وَقَدْ سَمََّنَتْكَ مَأكَلَتُكَ الَّتِي ُتُطْعِمُكَ الْيَهُودُ، وَلَسْتَ تَصُومُ - أيْ وَلَسْتَ تُمْسِكُ- " فَضَحِكَ بهِ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَغَضِبَ مَالِكٌ، وَكَانَ حَبْراً سَمِيْناً، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عُمَرَ رضي الله عنه وَقَالَ : مَا أنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ".
وقال السُّدِّيُّ :(نَزَلَتْ في فِنْحَاصَ بْنِ زَوْرَاءَ ؛ وَهُوَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ). وقال مُحمد بن كعبٍ :(جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ إلَى النَّبيِّ ﷺ ؛ وَهُوَ مُحْتَبٍ، فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ، ألاَ تَأْتِيْنَا بكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ، كَمَا جَاءَ بهِ مُوسَى مِنْ عِنْدِ اللهِ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى :﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾[النساء: ١٥٣]. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ : مَا أنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ، وَلاَ عَلَى مُوسَى، وَلاَ عَلَى عيْسَى، وَلاَ عَلَى أحَدٍ شَيْئاً. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
ومعناها : ما عَظَّمُوا اللهَ حقَّ عَظَمَتِهِ، ولا عَرَفُوهُ حقَّ معرفتِه إذ جَحَدُوا فقَالُوا : مَا أنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ؛ أي من كتابٍ ولا وَحْيٍ، ﴿قُلْ﴾ ؛ لَهم يا مُحَمّدُ :﴿مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَى﴾ ؛ يعني التوراةَ ؛ ﴿نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ ؛ أي ضياءً للناسِ وبياناً لَهم من الضَّلاَلة، ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ ؛ يكتبونَه صحائفَ، ﴿تُبْدُونَهَا﴾ ؛ يُظهرونَ ما فيها مما ليسَ فيه صفةُ النبِيِّ ﷺ وزمانُه ومبعثه ونبوَّتُه، ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ ؛ أي يسترون ما فيه صفةُ النبِيِّ ﷺ وبَعَثُهُ وآيةُ الرَّجمِ.
وقولُه تعالى :﴿وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ﴾ ؛ يحتملُ أن يكون خطاباً للمسلمين، أي عُلِّمْتُمْ أنتم أيُّها المؤمنون من الأحكامِ والحدُودِ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ. والأظهرُ : أنه خطابٌ لليهودِ ؛ لأنه مَسُوقٌ على ما سبقَ، معناهُ : عَلِمْتُمْ بالقُرْآنِ ما كنتم أخْفَيْتُمُوهُ قبلَ نزولِ القُرْآنِ ؛ لأنَّهم قد ضَيَّعُوا شيئاً كثيراً من الْقُرْآنِ والأحكامِ، وكانوا يُعَانِدُونَ ولا يعملونَ حتى صاروا كأنُّهم لم يعلمُوه.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلِ اللَّهُ﴾ ؛ معناه : إنْ هم أجابُوكَ وقالوا : أعْلَمَنَا اللهُ، وإلا فَقُلْ : اللهُ عَلَّمَكُمْ. ويقال معناهُ : قُلْ اللهُ أنزلَ الكتابَ على موسى، ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ؛ أي دَعْهُمْ واتركهم في باطلِهم يَلْهُونَ، ويقال لكلِّ من عَمِلَ ما لا ينفعهُ : إنَّما أنْتَ لاَعِبٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى