الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ : منصوبٌ على المصدر وهو في الأصل صفة للمصدر، فلما أُضيف الوصف إلى موصوفه انتصب على ما كان ينتصب عليه موصوفه، والأصل : قَدْره الحق كقولهم : جَرْدُ قطيفة وسحق عمامة. وقرأ الحسن البصري وعيسى الثقفي : جَرْد قطيفة وسحق عمامة. وقرأ الحسن البصري وعيسى الثقفي :" قدَّروا " بتشديد الدال، " قَدَره " بتحريكها، وقد تقدَّم أنهما لغتان.
وقوله :" إذ قالوا " منصوب ب " قَدَروا " وجعله ابن عطية منصوباً بقَدْره، وفي كلام ابن عطية ما يُشْعر بأنها للتعليل. و " من شيء " مفعول به زيدت فيه " مِنْ " لوجودِ شَرْطي الزيادة. قوله :" نوراً " منصوب على الحال وفي صاحبه وجهان، أحدهما : أنه الهاء في " به " فالعامل فيها " جاء ". والثاني : أنه الكتاب، فالعامل فيه " أنزل " و " للناس " صفة ل " هدى ".
قوله :" تَجْعلونه " يقرؤه ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيبة، وكذلك " يُبْدونها " و " يُخْفون "، والباقون بتاء الخطاب في ثلاثة الأفعال، فأمَّا الغيبةُ فللحَمْل على ما تقدَّم من الغيبة في قوله :" وما قدروا " إلى آخره، وعلى هذا فيكون في قوله :" وعُلِّمْتُم " تأويلان أحدهما : أنه خطاب لهم أيضاً وإنما جاء به على طريقة الالتفات. والثاني : أنه خطاب للمؤمنين اعترض به بين الأمر بقوله :﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ﴾ وبين قوله ﴿قُلِ اللَّهُ﴾.
وأمَّا قراءةُ تاءِ الخطاب ففيها مناسبةٌ لقوله ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ﴾ ورجَّحها مكي وجماعةٌ لذلك، قال مكي :" وذلك أحسن في المشاكلة والمطابقة واتصال بعض الكلام ببعض، وهو الاختيار لذلك، ولأنَّ أكثر القراء عليه ". قال الشيخ :" ومن قال إن المنكرين العربُ أو كفار قريش لم يمكن جَعْلُ الخطاب لهم بل يكون قد اعترض ببني إسرائيل فقال خلال السؤال والجواب : تَجْعَلُونها قراطيس، ومثل هذا يَبْعُدُ وقوعُه ؛ لأنَّ فيه تفكيكاً للنظم حيث جَعَلَ أولَ الكلام خطاباً للكفار وآخره خطاباً لليهود. قال :" وقد أُجيب بأنَّ الجميع لَمَّا اشتركوا في إنكار نبوَّة رسولِ الله ﷺ جاء بعضُ الكلام خطاباً للعرب وبعضه خطاباً لبني إسرائيل ".
قوله :" تَجْعلونه قراطيس " يجوز أن تكون " جعل " بمعنى صيَّر، وأن تكون بمعنى ألقى أي : تضعونه في كاغد. وهذه الجملة في محل نصب على الحال : إمَّا من " الكتاب "، وإمَّا من الهاء في " به "، كما تقدم في " نوراً وهدى ".
قوله " قراطيس " فيه ثلاثة [ أوجه ]، أحدها : أنه على حذف حرف الجر أي : في قراطيس وورق، فهو شبيه بالظرف المبهم فلذلك تَعَدَّى إليه الفعل بنفسه.
والثاني : أنه على حذف مضاف أي : تجعلونه ذا قراطيس. والثالث : أنهم نَزَّلوه منزلة القراطيس. وقد تقدم تفسير القراطيس، والجملة من قوله " تبدونها " في محل نصب نعت لقراطيس، وأمَّا " تُخْفون " فقال أبو البقاء :" إنها صفة أيضاً لها، وقدَّر ضميراً محذوفاً أي : وتُخْفون منها كثيراً ". وأمَّا مكي فقال :" وتُخْفون " مبتدأٌ لا موضعَ له من الإِعراب " انتهى، كأنه لمَّا رأى خُلُوَّ [ هذه الجملةِ من ضمير ] يعود على " قراطيس " منع كونه صفة، وقد تقدَّم أنه مقدر أي : منها، وهو أولى. قد جوَّز الواحدي في " تبدون " أن يكون حالاً من ضمير " الكتاب " من قوله " تجعلونه قراطيس " على أن تجعل الكتاب القراطيس في المعنى لأنه مكتتبٌ فيها " انتهى. قوله :" على أن تَجْعل " اعتذارٌ عن مجيء ضميره مؤنثاً، وفي الجملة فهو بعيد أو ممتنع.
وقوله :" وعُلِّمْتُمْ " يجوز أن يكون على قراءة الغيبة في " يجعلونه " وما عُطِفَ عليه مستأنفاً، وأن يكون حالاً، وإنما أتى به مخاطباً لأجل الالتفات، وأمَّا على قراءة تاء الخطاب فهو حالٌ، ومَن اشترط " قد " في الماضي الواقع حالاً أضمرها هنا أي : وقد عُلِّمْتُمْ.
قوله :" قلِ اللهُ " الجلالة يجوز فيها وجهان أحدهما : أن تكونَ فاعلةً بفعلٍ محذوف أي : قل أَنْزله، وهذا هو الصحيح للتصريح بالفعل في قوله ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ﴾ [الزخرف: ٩]. والثاني : أنه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ تقديرُه : الله أنزله، ووجه مناسبتِه مطابقةُ الجوابِ للسؤال، وذلك أن جملة السؤال اسمية فلتكنْ جملةُ الجوابِ كذلك.
قوله :﴿فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ يجوز أن يكون " في خوضهم " متعلقاً ب " ذرْهُم "، وأن يتعلَّق ب " يَلْعبون "، وأن يكونَ حالاً من مفعول " ذَرْهم "، وأن يكونَ حالاً من فاعل " يَلْعبون " فهذه أربعة أوجه، وأمَّا " يلعبون " فيجوز أن يكون حالاً مِنْ مفعول " ذرهم "، ومَنْ مَنَع أن تتعدَّد الحال لواحدٍ لم يُجِزْ حينئذ أن يكون " في خوضهم " حالاً مِنْ مفعول " ذرهم " بل يجعله : إمَّا متعلقاً ب " ذَرْهُمْ " كما تقدم أو ب " يَلْعبون " أو حالاً من فاعله، ويجوز أن يكون " يلعبون " حالاً من ضمير " خَوْضهم "، وجاز ذلك لأنه في قوة الفاعل لأنَّ المصدرَ مضاف لفاعله ؛ لأن التقدير : ذرهم يخوضوا لاعبين، وأن يكونَ حالاً من الضمير في " خوضهم " إذا جعلناه حالاً لأنَّه تضمَّن معنى الاستقرار فتكون حالاً متداخلة.
وقوله :" إذ قالوا " منصوب ب " قَدَروا " وجعله ابن عطية منصوباً بقَدْره، وفي كلام ابن عطية ما يُشْعر بأنها للتعليل. و " من شيء " مفعول به زيدت فيه " مِنْ " لوجودِ شَرْطي الزيادة. قوله :" نوراً " منصوب على الحال وفي صاحبه وجهان، أحدهما : أنه الهاء في " به " فالعامل فيها " جاء ". والثاني : أنه الكتاب، فالعامل فيه " أنزل " و " للناس " صفة ل " هدى ".
قوله :" تَجْعلونه " يقرؤه ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيبة، وكذلك " يُبْدونها " و " يُخْفون "، والباقون بتاء الخطاب في ثلاثة الأفعال، فأمَّا الغيبةُ فللحَمْل على ما تقدَّم من الغيبة في قوله :" وما قدروا " إلى آخره، وعلى هذا فيكون في قوله :" وعُلِّمْتُم " تأويلان أحدهما : أنه خطاب لهم أيضاً وإنما جاء به على طريقة الالتفات. والثاني : أنه خطاب للمؤمنين اعترض به بين الأمر بقوله :﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ﴾ وبين قوله ﴿قُلِ اللَّهُ﴾.
وأمَّا قراءةُ تاءِ الخطاب ففيها مناسبةٌ لقوله ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ﴾ ورجَّحها مكي وجماعةٌ لذلك، قال مكي :" وذلك أحسن في المشاكلة والمطابقة واتصال بعض الكلام ببعض، وهو الاختيار لذلك، ولأنَّ أكثر القراء عليه ". قال الشيخ :" ومن قال إن المنكرين العربُ أو كفار قريش لم يمكن جَعْلُ الخطاب لهم بل يكون قد اعترض ببني إسرائيل فقال خلال السؤال والجواب : تَجْعَلُونها قراطيس، ومثل هذا يَبْعُدُ وقوعُه ؛ لأنَّ فيه تفكيكاً للنظم حيث جَعَلَ أولَ الكلام خطاباً للكفار وآخره خطاباً لليهود. قال :" وقد أُجيب بأنَّ الجميع لَمَّا اشتركوا في إنكار نبوَّة رسولِ الله ﷺ جاء بعضُ الكلام خطاباً للعرب وبعضه خطاباً لبني إسرائيل ".
قوله :" تَجْعلونه قراطيس " يجوز أن تكون " جعل " بمعنى صيَّر، وأن تكون بمعنى ألقى أي : تضعونه في كاغد. وهذه الجملة في محل نصب على الحال : إمَّا من " الكتاب "، وإمَّا من الهاء في " به "، كما تقدم في " نوراً وهدى ".
قوله " قراطيس " فيه ثلاثة [ أوجه ]، أحدها : أنه على حذف حرف الجر أي : في قراطيس وورق، فهو شبيه بالظرف المبهم فلذلك تَعَدَّى إليه الفعل بنفسه.
والثاني : أنه على حذف مضاف أي : تجعلونه ذا قراطيس. والثالث : أنهم نَزَّلوه منزلة القراطيس. وقد تقدم تفسير القراطيس، والجملة من قوله " تبدونها " في محل نصب نعت لقراطيس، وأمَّا " تُخْفون " فقال أبو البقاء :" إنها صفة أيضاً لها، وقدَّر ضميراً محذوفاً أي : وتُخْفون منها كثيراً ". وأمَّا مكي فقال :" وتُخْفون " مبتدأٌ لا موضعَ له من الإِعراب " انتهى، كأنه لمَّا رأى خُلُوَّ [ هذه الجملةِ من ضمير ] يعود على " قراطيس " منع كونه صفة، وقد تقدَّم أنه مقدر أي : منها، وهو أولى. قد جوَّز الواحدي في " تبدون " أن يكون حالاً من ضمير " الكتاب " من قوله " تجعلونه قراطيس " على أن تجعل الكتاب القراطيس في المعنى لأنه مكتتبٌ فيها " انتهى. قوله :" على أن تَجْعل " اعتذارٌ عن مجيء ضميره مؤنثاً، وفي الجملة فهو بعيد أو ممتنع.
وقوله :" وعُلِّمْتُمْ " يجوز أن يكون على قراءة الغيبة في " يجعلونه " وما عُطِفَ عليه مستأنفاً، وأن يكون حالاً، وإنما أتى به مخاطباً لأجل الالتفات، وأمَّا على قراءة تاء الخطاب فهو حالٌ، ومَن اشترط " قد " في الماضي الواقع حالاً أضمرها هنا أي : وقد عُلِّمْتُمْ.
قوله :" قلِ اللهُ " الجلالة يجوز فيها وجهان أحدهما : أن تكونَ فاعلةً بفعلٍ محذوف أي : قل أَنْزله، وهذا هو الصحيح للتصريح بالفعل في قوله ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ﴾ [الزخرف: ٩]. والثاني : أنه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ تقديرُه : الله أنزله، ووجه مناسبتِه مطابقةُ الجوابِ للسؤال، وذلك أن جملة السؤال اسمية فلتكنْ جملةُ الجوابِ كذلك.
قوله :﴿فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ يجوز أن يكون " في خوضهم " متعلقاً ب " ذرْهُم "، وأن يتعلَّق ب " يَلْعبون "، وأن يكونَ حالاً من مفعول " ذَرْهم "، وأن يكونَ حالاً من فاعل " يَلْعبون " فهذه أربعة أوجه، وأمَّا " يلعبون " فيجوز أن يكون حالاً مِنْ مفعول " ذرهم "، ومَنْ مَنَع أن تتعدَّد الحال لواحدٍ لم يُجِزْ حينئذ أن يكون " في خوضهم " حالاً مِنْ مفعول " ذرهم " بل يجعله : إمَّا متعلقاً ب " ذَرْهُمْ " كما تقدم أو ب " يَلْعبون " أو حالاً من فاعله، ويجوز أن يكون " يلعبون " حالاً من ضمير " خَوْضهم "، وجاز ذلك لأنه في قوة الفاعل لأنَّ المصدرَ مضاف لفاعله ؛ لأن التقدير : ذرهم يخوضوا لاعبين، وأن يكونَ حالاً من الضمير في " خوضهم " إذا جعلناه حالاً لأنَّه تضمَّن معنى الاستقرار فتكون حالاً متداخلة.