بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :
﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ يعني : ما عظّموا الله حق عظمته، وما عرفوه حق معرفته. نزلت في مالك بن الضيف خاصمه عمر في النبي ﷺ أنه مكتوب في التوراة. فغضب وقال :﴿مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَيْء﴾ وكان رئيس اليهود. فعزلته اليهود عن الرئاسة بهذه الكلمة. قال مقاتل : نزلت هذه الآية بالمدينة، وسائر السور بمكة. ويقال : إن هذه السورة كلها مكية. وكان مالك بن الضيف خرج مع نفر إلى مكة معاندين ليسألوا النبي ﷺ عن أشياء، وقد كان اشتغل بالنعم، وترك العبادة، وسمن. فأتى رسول الله ﷺ ذات يوم بمكة. فقال له رسول الله :« أَنْشدكَ الله أَتَجِدُ في التَّوْراةِ أنَّ الله يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِين » ؟ قال : نَعَمْ قال :« فَأَنْتَ الحَبْرُ السَّمِينُ فَقَدْ سَمِنْتَ مِنْ مَأْكَلَتِكَ » فضحك به القوم فخجل مالك بن الضيف وقال : ما أنزل الله على بشر من شيء فبلغ ذلك اليهود فأنكروا عليه. فقال : إنه قد أغضبني. فقالوا : كلما غضبت قلت بغير حق وتركت دينك ؟ فأخذوا الرياسة منه وجعلوها إلى كعب بن الأشرف فنزلت هذه الآية ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حيث جحدوا تنزيله ﴿إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَيْء﴾ يعني : على رسول من كتاب.
﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَاء بِهِ موسى﴾ وهو التوراة ﴿نُوراً﴾ يعني : ضياء ﴿وهدى﴾ يعني : بياناً ﴿لِلنَّاسِ﴾ من الضلالة ﴿تَجْعَلُونَهُ قراطيس﴾ يقول : تكتبونه في الصحف ﴿تُبْدُونَهَا﴾ يقول : تظهرونها في الصحف ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ يعني : تكتمون ما فيه صفة محمد ﷺ ونعته وآية الرجم، وتحريم الخمر.
﴿وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ﴾ يعني : علمتم أنتم وآباؤكم في التوراة ما لم تعلموا. ويقال :﴿علمتم﴾ على لسان محمد ﷺ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم فإن أجابوك وإلا ف ﴿قُلِ الله﴾ أنزله على موسى ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ إن لم يصدقوك ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ يعني : في باطلهم ﴿يَلْعَبُونَ﴾ يعني : يلهون ويفترون قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿وَيَجْعَلونه قراطيس يبدونها ويخفونها كثيراً﴾ كل ذلك بالياء على لفظ المغايبة. وقرأ الباقون : بالتاء على معنى المخاطبة لأن ابتداء الكلام على المخاطبة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى