غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿يجعلونه﴾ ﴿يبدونها﴾ و﴿يخفون﴾ بياءات الغيبة : أبو عمرو وابن كثير، الباقون : على الخطاب ﴿ولينذر﴾ بياء الغيبة : أبو بكر وحماد. الباقون : بتاء الخطاب ﴿بينكم﴾ بفتح النون : أبو جعفر ونافع وعلي وحفص والمفضل. الباقون : بالرفع ﴿وجعل الليل﴾ على لفظ المضي ونصب الليل عاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون ﴿وجاعل الليل﴾ على لفظ اسم الفاعل وبالإضافة ﴿وجنات﴾ بالرفع : الأعشى والبرجمي الباقون : بالنصب ﴿فمستقر﴾ بكسر القاف : أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب. الباقون : بالفتح ﴿ثمره﴾ بضمتين : حمزة وعلي وخلف وكذلك في آخر السورة ويس. الباقون : بفتحتين ﴿وخرقوا﴾ بالتشديد : أبو جعفر ونافع. الباقون : بالتخفيف.
الوقوف :﴿من شيء﴾ ط ﴿كثيراً﴾ ط لمن قرأ ﴿يجعلونه﴾ بياء الغيبة. ومن قرأ بالتاء فوقفه حائز لانتهاء الاستفهام مع اتفاق الخطاب على تقدير وقد علمتم ﴿آباؤكم﴾ ط ﴿قل الله﴾ ط لأن قوله ﴿ذرهم﴾ معطوف على ﴿قل﴾ ﴿يلعبون﴾ ه ﴿ومن حولها﴾ ط ﴿يحافظون﴾ ه ﴿أنزل الله﴾ ط ﴿أيديهم﴾ ج لاتساق الكلام معنى مع تقدير حذف أي يقولون أخرجوا ﴿أنفسكم﴾ ط لأن المراد من اليوم يوم القيامة ﴿تستكبرون﴾ ه ﴿ظهوركم﴾ ج لاتحاد القول. والوقف أوضح لابتداء النفي وانقطاع النظم ﴿شركاء﴾ ط ﴿تزعمون﴾ ه ﴿والنوى﴾ ط ﴿من الحي﴾ ط ﴿تؤفكون﴾ ه ﴿فالق الإصباح﴾ ج لمن قرأ ﴿وجعل﴾ لانقطاع النظم واتصال المعنى على تقدير فلق وجعل، أو وقد جعل وعامل الحال معنى الفعل في فالق ﴿حسباناً﴾ ط ﴿العليم﴾ ه ﴿والبحر﴾ ط ﴿يعلمون﴾ ه ﴿ومستودع﴾ ط ﴿يفقهون﴾ ه ﴿ماء﴾ ج للعدول مع اتحاد المقصود ﴿متراكباً﴾ ط ومن قرأ ﴿وجنات﴾ بالرفع فللعطف على ﴿قنوان﴾ لفظاً فيلزمه وقفه على ﴿دانية﴾ وإلا فليعطف ويفهم أن ﴿جنات﴾ من جملة النخل، ومن خفض فوقفه على ﴿متراكباً﴾ جائز للعطف على قوله ﴿خضراً﴾ مع وقوع العارض ﴿وغير متشابه﴾ ط ﴿وينعه﴾ ط ﴿يؤمنون﴾ ه ﴿بغير علم﴾ ط ﴿يصفون﴾ ه.
التفسير : اعلم أن مدار القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد. فبعد ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك شرع في تقرير أمر النبوة فقال ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ قال ابن عباس : أي ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أنكروا النبوة والرسالة. وقال أيضاً في رواية : ما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير. وقال أبو العالية : ما وصفوه حق صفته. وقال الأخفش : ما عرفوه حق معرفته أي في اللطف بأوليائه أو في القهر لأعدائه. وقال الجوهري : قدر الشيء مبلغه وقدرت الشيء أقدره وأقدره قدراً من التقدير أي حرره وعرف مقداره. ثم بيّن سبب عدم عرفانه بقوله ﴿إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ وإنما كان منكر البعث والرسالة غير عارف بالله تعالى، لأنه إما أن يدعي أنه تعالى ما كلف أحداً من الخلائق تكليفاً أصلاً وهو باطل لأنه فتح باب المنكرات والقبائح بأسرها، وإما أن يسلم أنه تعالى كلف الخلق بالأوامر والنواهي ولكن لا على ألسنة الرسل وهذا أيضاً جهل. فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون العقل كافياً في إيجاب الواجبات وحظر المنكرات ؟ فالجواب هب أن الأمر كذلك إلا أنه لا يمتنع تأكيد التصريف العقلي بل يجب تفصيل ذلك المجمل بالتعريفات المشروحة على ألسنة الرسل، لأن أكثر العقول قاصرة عن إدراك مدارك الأحكام الشرعية كما أن نور البصر قاصر عن إدراك المبصرات إلا إذا أعين بنور من خارج كنور الشمس أو السراج. وأيضاً تفويض مصالح العباد إلى مقتضى عقولهم يؤدي إلى التنازع والتشاجر لتصادم الأهواء وتناقض الآراء فلا بد من أن يتفقوا على واحد يصدرون عن رأيه، وتعيين ذلك الواحد من الخلق ترجيح بلا مرجح وإشراف على الضلال لاحتمال الخطأ في اجتهادهم، فلعل الخير في نظرهم يكون شراً في نفس الأمر فلزم أن يكون التعيين من الله سبحانه بكونه أعرف بالبواطن كقوله ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤] وإنما يعرف ذلك المعين بظهور المعجزة على وفق دعواه تصديقاً له، ومن أنكر ذلك ولم يجوّز خرق العادة فقد وصف الله تعالى بالعجز ونقصان القدرة. وقد طعن بعض الملحدة في الآية بأن هؤلاء القائلين إن كانوا كفار قريش أو البراهمة فهم ينكرون رسالة كل الأنبياء كما ينكرون رسالة محمد ﷺ فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ على أن قوله ﴿تجعلونه قراطيس﴾ بتاء الخطاب إنما يليق باليهود وإن كانوا أهل الكتاب فهم لا يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء، بل يقرّون بنزول التوراة على موسى والإنجيل على عيسى. وأيضاً الأكثرون اتفقوا على أن السورة مكية وأنها نزلت دفعة واحدة ومناظرات اليهود مع رسول الله ﷺ وآله كانت مدنية، فكيف يمكن حمل الآية على تلك المناظرة ؟ والجواب أنهم إن كانوا كفار قريش فإنهم كانوا مختلطين باليهود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات على يد موسى كالعصا وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها وكان جارياً مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى. وعلى هذا لا يبعد إيراد نبوة موسى إلزاماً لهم في قولهم ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ ولما كان كفار قريش مع اليهود والنصارى متشاركين في إنكار نبوة محمد ﷺ وآله لم يبعد أن يكون الكلام الواحد خطأ بالكفار قريش أوّلاً ولأهل الكتاب آخراً وأما إن كانوا أهل الكتاب - وهو المشهور عند الجمهور - فالوجه ما روي عن ابن عباس أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلاً سميناً دخل على رسول الله ﷺ وآله فقال له رسول الله ﷺ وآله :«أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين ؟ فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود ». فضحك القوم فغضب ثم التفت إلى عمر فقال : ما أنزل الله على بشر من شيء. فقال له قومه : ما هذا الذي بلغنا عنك ؟ فقال : إنه أغضبني : ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. فلعل مالك بن الصيف لما تأذى من الكلام المذكور طعن في نبوة الرسول ﷺ وإنه ما أنزل عليه من شيء البتة فأمر بأن يقول في جوابه ﴿من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ أي لما سلمت أن الله تعالى أنزل الوحي والتنزيل على بشر وهو موسى فكيف يمكنك أن تقطع بأنه ما أنزل عليّ شيئاً غاية ما في الباب أن تطالبني بالمعجز. والحاصل أنهم قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله ﷺ فألزموا ما لا بد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم بالتحريف وإبداء بعض وإخفاء بعض. وقيل : اللفظ وإن كان مطلقاً بحسب اللغة إلا أنه مقيد بحسب العرف بتلك الواقعة، فكأنه قال : ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين، وهذا كما إذا أرادت المرأة أن تخرج من الدار فغضب الزوج وقال : إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيراً من الفقهاء قالوا : التعليق مقيد بتلك المرة حتى لو خرجت مرة أخرى لم تطلق. ويرد على هذا التوجيه أن قوله ﴿من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ لا يكون مبطلاً لكلام الخصم. أما قوله «إن السورة مكية والمناظرات مدينة » فأجيب عنه بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنه نزلت بالمدينة في هذه الواقعة والله أعلم.
ومن الأحكام المستنبطة من الآية أن قوله ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ يفيد أن عقول الخلق قاصرة عن كنه معرفة الله تعالى وإن كانوا مقرين بالنبوة والرسالة لإطلاق قوله في موضع آخر ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته﴾ [الزمر: ٦٧] ومنها أن النكرة في سياق النفي تعم وإلا لم يكن قوله ﴿من أنزل﴾ مبطلاً لقوله ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ ومنها أن النقض يقدح في صحة الكلام وإلا لم يكن في قوله ﴿من أنزل﴾ حجة. ويعلم منه أن قول من يقول إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقض مبطلاً ضعيف وإلا بطلت حجة الله تعالى في هذه الآية، فإن لليهود حينئذ أن تقول : معجزات موسى كانت أظهر وأبهر من معجزاتك فلا يلزم نبوتك.
ومنها أن الغزالي رحمه الله تكلف وقال : حاصل الآية يرجع إلى أن موسى أنزل الله عليه شيئاً، وأحد من البر ما أنزل الله عليه شيئاً فينتج من الشكل الثاني أن موسى ما كان من البشر وهذا خلف محال، وليس هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ولا بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية وهي قولهم ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ فوجب القول بكونها كاذبة فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف. ثم اعلم أنه سبحانه وصف كتاب موسى بكونه نوراً وهدى للناس والعطف يقتضي المغايرة. فالمراد بالنور ظهوره في نفسه. وبالهدى كونه سبباً لظهور غيره كقوله في وصف القرآن ﴿ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ [الشورى: ٥٢] قال أبو علي الفارسي ﴿يجعلونه قراطيس﴾ أي ذات قراطيس أي يودعونه إياها. فإن قيل : إذا كان جميع الكتب كذلك فلم ذكر في معرض الذم ؟ قلنا : لأنهم جعلوه قراطيس مفرقة مبعضة ليتوسلوا بذلك إلى إبداء بعض وإخفاء بعض مما فيه نعت محمد ﷺ، أو شيء من الأحكام التي لا توافق هواهم كالرجم وغيره ﴿وعلمتم﴾ أيها اليهود على لسان محمد ﷺ ﴿ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وقيل : كانوا يقرؤون الآيات المشتملة على نعت محمد ﷺ وما كانوا يفقهون معانيها إلى أن بعث الله محمداً، فظهر أن المراد منها هو البشارة بمقدمه، وقيل : الخطاب لمن آمن من قريش كقوله
﴿لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم﴾ [يس: ٦] ﴿قل الله﴾ أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون على أن ينكروا ذلك فإن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف المؤيد قول صاحبه بالمعجزات الباهرة لا يكون إلا من الله سبحانه. ونظره ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله﴾ [الأنعام: ١٩] والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها، فسواء أقر الخصم به أولم يقر فالغرض حاصل. ﴿ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ يقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه إنما أنت لاعب و﴿يلعبون﴾ حال من ﴿ذرهم﴾ أو من ﴿خوضهم﴾ ويحتمل أن يكون ﴿في خوضهم﴾ حالاً من ﴿يلعبون﴾ وأن يكون صلة له أو ل ﴿ذرهم﴾. والمعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والإنذار هذا المبلغ العظيم فقد قضيت ما عليك كقوله ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ [الشورى: ٤٨] قيل : إنها منسوخة بآية السيف وفيه نظر لأنه مذكور لأجل التهديد فلم يكن نزول آية القتال رافعاً لشيء من مدلولات هذه الآية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ حين أنكروا إنزال الكتب والبعثة على أنهم لو اعترفوا بذلك أيضاً لم يعرفوه حق معرفته لأن المحاط لا يحيط بالمحيط. نعم تزداد معرفته بازدياد معرفة أوصافه ﴿تجعلونه قراطيس﴾ أي في القراطيس، وما يجعلونه في قلوبهم بالتخلق بأخلاقه ﴿وعلمتم﴾ بتعليم محمد ﷺ ﴿ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ كقوله ﴿ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ [البقرة: ١٥١] ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سراً بسر وإضماراً بإضمار، والذي علم النبي هو الله وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم، وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بأخلاقه، وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب ﴿مصدق الذي بين يديه﴾ لأنه يصدق حقائق جميع ما في الكتب ﴿ولتنذر أم القرى﴾ وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق وقد دحيت جميع أرض القلب من تحتها ﴿ومن حولها﴾ من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بأن يتنوّروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه. ﴿والذين يؤمنون بالآخرة﴾ فيستعملون الأدوات والآلات في أمور الدنيا والآخرة لا في الدنيا الفانية وشهوات النفس وهواها ﴿يؤمنون﴾ بالقرآن ﴿وهم على صلاتهم﴾ بالترقي في صفاتهم إلى التخلق بأخلاق القرآن يداومون، فإن الصلاة معراج المؤمن ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً﴾ بإظهار المواجد والحالات رياء ومراء من غير أن يكون له منها نصيب، ﴿أو قال أوحي إليّ﴾ الإشارات ولم يلهم نفسه شيئاً منها، ومن قال متشدّقاً متفيهقاً سأتكلم بمثل كلام الله من الحقائق والأسرار فتظهر مضرة ظلمة وافترائه عند سكرات الموت، وانقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس عن القالب كرهاً لتعلقها بالشهوات واللذات وطلب الرياسات، ويكون شدة النزع والهوان بحسب التعلقات ﴿ولقد جئتمونا فرادى﴾ عن الدنيا وما يتعلق بها، أو فرادى عن تعلقات الكونين ﴿كما خلقناكم أوّل مرة﴾ في أوّل خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب. ﴿وتركتم﴾ بالتجريد عن الدنيا وبالتفريد عن الدنيا والآخرة ﴿ما خولناكم﴾ من تعلق الكونين ﴿وراء ظهوركم وما نرى معكم﴾ الأعمال والأحوال التي ظننتم أنها توصلكم إلى الله ﴿لقد تقطع بينكم﴾ وبينها عند انتهاء سيركم كما انتهى سير جبريل عند سدرة المنتهى، وحينئذ لا يصل إلى الوحدة إلا بجذبة
﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨] ولو لم تدركه الجذبة المسندة إلى العناية لانقطع عن السير في الله بالله ونفى السدرة وهو يقول ﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿إن الله فالق﴾ حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة، وفالق النوى ذكر لا إله إلا الله في أرض القلب عن شجرة الإيمان، كلمة طيبة كشجرة طيبة يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية، ومخرج الأفعال الطبيعية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحق في الدارين. وأيضاً يخرج نخل الإيمان الحق من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله ﴿فالق الإصباح﴾ فالق ظلمة الجمادية بصباح العقل والحياة والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح الفهم والإدراك، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صحبة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات. وبالجملة فالق أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية، وجاعل ليل البشرية ستراً عن ضياء شمس الروح ليسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية ﴿والشمس والقمر حسباناً﴾ يعني تجلي شمس الروحانية وطلوع قمر القلب بالحساب لئلا يفسد أمر القلب والقالب. وأيضاً تجلى شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن إفراط طلوع شموس المعارف والشهود آفة «أنا الحق وسبحاني» وفي تفريطه آفة «أنا ربكم الأعلى وعبادة الهوى». ﴿ذلك تقدير العزيز﴾ الذي لا يهتدى إليه إلا به ﴿العليم﴾ بمن يستحق الاهتداء إليه ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم﴾ نجوم أنوار الغيوب في سموات القلوب ﴿لتهتدوا بها في ظلمات﴾ بر البشرية وبحر الروحانية إلى عالم الربوبية. ﴿وهو الذي أنشأ﴾ أرواحكم من روح واحد هو روح محمد ﷺ «أول ما خلق الله روحي كما خلق أجسادكم من جسد واحد هو جسد آدم أبي البشر» فمن الأرواح ما تعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح. وأيضاً من الأرواح ما هو مستقر فيه نور صفة الإيمان وما هو مستودع فيه جذبات الحق، ومنها ما هو مستقر في أنانيته مع علو رتبته بالبقاء وما هو مستودع أنانيته بالفناء، وما هو مستقر ببقاء الحق باق وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء ﴿قد فصلنا﴾ دلالات الوصول في الوصال ﴿لقوم يفقهون﴾ إشارات القلوب ﴿وهو الذي أنزل﴾ من سماء العناية ﴿ماء﴾ الهداية ﴿فأخرجنا به نبات كل شيء﴾ من أنواع المعارف ﴿فأخرجنا منه خضراً﴾ طرياً من المعاني والأسرار ﴿يخرج به﴾ من الحقائق ما تركب بعضها بعضها فترتب بعضها على بعض ﴿ومن النخل﴾ يعني أصحاب الولايات ﴿من طلعها﴾ من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين أي منهم من يكون مريئاً فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن المريدين. ﴿وجنات﴾ يريد أرباب الزهد والتقوى والفتوّة الذين لم يبلغوا رتبة الولاية من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع ﴿مشتبهاً﴾ أي متفقاً في الأصول والفروع ﴿وغير متشابه﴾ أي مختلفاً فيما بين العلماء ﴿انظروا﴾ إلى ثمر الولايات كيف ينتفع به الخواص والعوام ﴿وينعه﴾ أي الكامل منها. ﴿إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون﴾ بأحوالهم وينتفعون بأموالهم وأحوالهم. ﴿وجعلوا لله﴾ إشارة إلى أنه كما يخرج بماء اللطف من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات كذلك يخرج بماء القهر من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات.
القراءات :﴿يجعلونه﴾ ﴿يبدونها﴾ و﴿يخفون﴾ بياءات الغيبة : أبو عمرو وابن كثير، الباقون : على الخطاب ﴿ولينذر﴾ بياء الغيبة : أبو بكر وحماد. الباقون : بتاء الخطاب ﴿بينكم﴾ بفتح النون : أبو جعفر ونافع وعلي وحفص والمفضل. الباقون : بالرفع ﴿وجعل الليل﴾ على لفظ المضي ونصب الليل عاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون ﴿وجاعل الليل﴾ على لفظ اسم الفاعل وبالإضافة ﴿وجنات﴾ بالرفع : الأعشى والبرجمي الباقون : بالنصب ﴿فمستقر﴾ بكسر القاف : أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب. الباقون : بالفتح ﴿ثمره﴾ بضمتين : حمزة وعلي وخلف وكذلك في آخر السورة ويس. الباقون : بفتحتين ﴿وخرقوا﴾ بالتشديد : أبو جعفر ونافع. الباقون : بالتخفيف.
الوقوف :﴿من شيء﴾ ط ﴿كثيراً﴾ ط لمن قرأ ﴿يجعلونه﴾ بياء الغيبة. ومن قرأ بالتاء فوقفه حائز لانتهاء الاستفهام مع اتفاق الخطاب على تقدير وقد علمتم ﴿آباؤكم﴾ ط ﴿قل الله﴾ ط لأن قوله ﴿ذرهم﴾ معطوف على ﴿قل﴾ ﴿يلعبون﴾ ه ﴿ومن حولها﴾ ط ﴿يحافظون﴾ ه ﴿أنزل الله﴾ ط ﴿أيديهم﴾ ج لاتساق الكلام معنى مع تقدير حذف أي يقولون أخرجوا ﴿أنفسكم﴾ ط لأن المراد من اليوم يوم القيامة ﴿تستكبرون﴾ ه ﴿ظهوركم﴾ ج لاتحاد القول. والوقف أوضح لابتداء النفي وانقطاع النظم ﴿شركاء﴾ ط ﴿تزعمون﴾ ه ﴿والنوى﴾ ط ﴿من الحي﴾ ط ﴿تؤفكون﴾ ه ﴿فالق الإصباح﴾ ج لمن قرأ ﴿وجعل﴾ لانقطاع النظم واتصال المعنى على تقدير فلق وجعل، أو وقد جعل وعامل الحال معنى الفعل في فالق ﴿حسباناً﴾ ط ﴿العليم﴾ ه ﴿والبحر﴾ ط ﴿يعلمون﴾ ه ﴿ومستودع﴾ ط ﴿يفقهون﴾ ه ﴿ماء﴾ ج للعدول مع اتحاد المقصود ﴿متراكباً﴾ ط ومن قرأ ﴿وجنات﴾ بالرفع فللعطف على ﴿قنوان﴾ لفظاً فيلزمه وقفه على ﴿دانية﴾ وإلا فليعطف ويفهم أن ﴿جنات﴾ من جملة النخل، ومن خفض فوقفه على ﴿متراكباً﴾ جائز للعطف على قوله ﴿خضراً﴾ مع وقوع العارض ﴿وغير متشابه﴾ ط ﴿وينعه﴾ ط ﴿يؤمنون﴾ ه ﴿بغير علم﴾ ط ﴿يصفون﴾ ه.
الوقوف :﴿من شيء﴾ ط ﴿كثيراً﴾ ط لمن قرأ ﴿يجعلونه﴾ بياء الغيبة. ومن قرأ بالتاء فوقفه حائز لانتهاء الاستفهام مع اتفاق الخطاب على تقدير وقد علمتم ﴿آباؤكم﴾ ط ﴿قل الله﴾ ط لأن قوله ﴿ذرهم﴾ معطوف على ﴿قل﴾ ﴿يلعبون﴾ ه ﴿ومن حولها﴾ ط ﴿يحافظون﴾ ه ﴿أنزل الله﴾ ط ﴿أيديهم﴾ ج لاتساق الكلام معنى مع تقدير حذف أي يقولون أخرجوا ﴿أنفسكم﴾ ط لأن المراد من اليوم يوم القيامة ﴿تستكبرون﴾ ه ﴿ظهوركم﴾ ج لاتحاد القول. والوقف أوضح لابتداء النفي وانقطاع النظم ﴿شركاء﴾ ط ﴿تزعمون﴾ ه ﴿والنوى﴾ ط ﴿من الحي﴾ ط ﴿تؤفكون﴾ ه ﴿فالق الإصباح﴾ ج لمن قرأ ﴿وجعل﴾ لانقطاع النظم واتصال المعنى على تقدير فلق وجعل، أو وقد جعل وعامل الحال معنى الفعل في فالق ﴿حسباناً﴾ ط ﴿العليم﴾ ه ﴿والبحر﴾ ط ﴿يعلمون﴾ ه ﴿ومستودع﴾ ط ﴿يفقهون﴾ ه ﴿ماء﴾ ج للعدول مع اتحاد المقصود ﴿متراكباً﴾ ط ومن قرأ ﴿وجنات﴾ بالرفع فللعطف على ﴿قنوان﴾ لفظاً فيلزمه وقفه على ﴿دانية﴾ وإلا فليعطف ويفهم أن ﴿جنات﴾ من جملة النخل، ومن خفض فوقفه على ﴿متراكباً﴾ جائز للعطف على قوله ﴿خضراً﴾ مع وقوع العارض ﴿وغير متشابه﴾ ط ﴿وينعه﴾ ط ﴿يؤمنون﴾ ه ﴿بغير علم﴾ ط ﴿يصفون﴾ ه.
التفسير : اعلم أن مدار القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد. فبعد ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك شرع في تقرير أمر النبوة فقال ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ قال ابن عباس : أي ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أنكروا النبوة والرسالة. وقال أيضاً في رواية : ما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير. وقال أبو العالية : ما وصفوه حق صفته. وقال الأخفش : ما عرفوه حق معرفته أي في اللطف بأوليائه أو في القهر لأعدائه. وقال الجوهري : قدر الشيء مبلغه وقدرت الشيء أقدره وأقدره قدراً من التقدير أي حرره وعرف مقداره. ثم بيّن سبب عدم عرفانه بقوله ﴿إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ وإنما كان منكر البعث والرسالة غير عارف بالله تعالى، لأنه إما أن يدعي أنه تعالى ما كلف أحداً من الخلائق تكليفاً أصلاً وهو باطل لأنه فتح باب المنكرات والقبائح بأسرها، وإما أن يسلم أنه تعالى كلف الخلق بالأوامر والنواهي ولكن لا على ألسنة الرسل وهذا أيضاً جهل. فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون العقل كافياً في إيجاب الواجبات وحظر المنكرات ؟ فالجواب هب أن الأمر كذلك إلا أنه لا يمتنع تأكيد التصريف العقلي بل يجب تفصيل ذلك المجمل بالتعريفات المشروحة على ألسنة الرسل، لأن أكثر العقول قاصرة عن إدراك مدارك الأحكام الشرعية كما أن نور البصر قاصر عن إدراك المبصرات إلا إذا أعين بنور من خارج كنور الشمس أو السراج. وأيضاً تفويض مصالح العباد إلى مقتضى عقولهم يؤدي إلى التنازع والتشاجر لتصادم الأهواء وتناقض الآراء فلا بد من أن يتفقوا على واحد يصدرون عن رأيه، وتعيين ذلك الواحد من الخلق ترجيح بلا مرجح وإشراف على الضلال لاحتمال الخطأ في اجتهادهم، فلعل الخير في نظرهم يكون شراً في نفس الأمر فلزم أن يكون التعيين من الله سبحانه بكونه أعرف بالبواطن كقوله ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤] وإنما يعرف ذلك المعين بظهور المعجزة على وفق دعواه تصديقاً له، ومن أنكر ذلك ولم يجوّز خرق العادة فقد وصف الله تعالى بالعجز ونقصان القدرة. وقد طعن بعض الملحدة في الآية بأن هؤلاء القائلين إن كانوا كفار قريش أو البراهمة فهم ينكرون رسالة كل الأنبياء كما ينكرون رسالة محمد ﷺ فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ على أن قوله ﴿تجعلونه قراطيس﴾ بتاء الخطاب إنما يليق باليهود وإن كانوا أهل الكتاب فهم لا يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء، بل يقرّون بنزول التوراة على موسى والإنجيل على عيسى. وأيضاً الأكثرون اتفقوا على أن السورة مكية وأنها نزلت دفعة واحدة ومناظرات اليهود مع رسول الله ﷺ وآله كانت مدنية، فكيف يمكن حمل الآية على تلك المناظرة ؟ والجواب أنهم إن كانوا كفار قريش فإنهم كانوا مختلطين باليهود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات على يد موسى كالعصا وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها وكان جارياً مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى. وعلى هذا لا يبعد إيراد نبوة موسى إلزاماً لهم في قولهم ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ ولما كان كفار قريش مع اليهود والنصارى متشاركين في إنكار نبوة محمد ﷺ وآله لم يبعد أن يكون الكلام الواحد خطأ بالكفار قريش أوّلاً ولأهل الكتاب آخراً وأما إن كانوا أهل الكتاب - وهو المشهور عند الجمهور - فالوجه ما روي عن ابن عباس أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلاً سميناً دخل على رسول الله ﷺ وآله فقال له رسول الله ﷺ وآله :«أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين ؟ فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود ». فضحك القوم فغضب ثم التفت إلى عمر فقال : ما أنزل الله على بشر من شيء. فقال له قومه : ما هذا الذي بلغنا عنك ؟ فقال : إنه أغضبني : ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. فلعل مالك بن الصيف لما تأذى من الكلام المذكور طعن في نبوة الرسول ﷺ وإنه ما أنزل عليه من شيء البتة فأمر بأن يقول في جوابه ﴿من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ أي لما سلمت أن الله تعالى أنزل الوحي والتنزيل على بشر وهو موسى فكيف يمكنك أن تقطع بأنه ما أنزل عليّ شيئاً غاية ما في الباب أن تطالبني بالمعجز. والحاصل أنهم قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله ﷺ فألزموا ما لا بد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم بالتحريف وإبداء بعض وإخفاء بعض. وقيل : اللفظ وإن كان مطلقاً بحسب اللغة إلا أنه مقيد بحسب العرف بتلك الواقعة، فكأنه قال : ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين، وهذا كما إذا أرادت المرأة أن تخرج من الدار فغضب الزوج وقال : إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيراً من الفقهاء قالوا : التعليق مقيد بتلك المرة حتى لو خرجت مرة أخرى لم تطلق. ويرد على هذا التوجيه أن قوله ﴿من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ لا يكون مبطلاً لكلام الخصم. أما قوله «إن السورة مكية والمناظرات مدينة » فأجيب عنه بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنه نزلت بالمدينة في هذه الواقعة والله أعلم.
ومن الأحكام المستنبطة من الآية أن قوله ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ يفيد أن عقول الخلق قاصرة عن كنه معرفة الله تعالى وإن كانوا مقرين بالنبوة والرسالة لإطلاق قوله في موضع آخر ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته﴾ [الزمر: ٦٧] ومنها أن النكرة في سياق النفي تعم وإلا لم يكن قوله ﴿من أنزل﴾ مبطلاً لقوله ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ ومنها أن النقض يقدح في صحة الكلام وإلا لم يكن في قوله ﴿من أنزل﴾ حجة. ويعلم منه أن قول من يقول إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقض مبطلاً ضعيف وإلا بطلت حجة الله تعالى في هذه الآية، فإن لليهود حينئذ أن تقول : معجزات موسى كانت أظهر وأبهر من معجزاتك فلا يلزم نبوتك.
ومنها أن الغزالي رحمه الله تكلف وقال : حاصل الآية يرجع إلى أن موسى أنزل الله عليه شيئاً، وأحد من البر ما أنزل الله عليه شيئاً فينتج من الشكل الثاني أن موسى ما كان من البشر وهذا خلف محال، وليس هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ولا بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية وهي قولهم ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ فوجب القول بكونها كاذبة فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف. ثم اعلم أنه سبحانه وصف كتاب موسى بكونه نوراً وهدى للناس والعطف يقتضي المغايرة. فالمراد بالنور ظهوره في نفسه. وبالهدى كونه سبباً لظهور غيره كقوله في وصف القرآن ﴿ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ [الشورى: ٥٢] قال أبو علي الفارسي ﴿يجعلونه قراطيس﴾ أي ذات قراطيس أي يودعونه إياها. فإن قيل : إذا كان جميع الكتب كذلك فلم ذكر في معرض الذم ؟ قلنا : لأنهم جعلوه قراطيس مفرقة مبعضة ليتوسلوا بذلك إلى إبداء بعض وإخفاء بعض مما فيه نعت محمد ﷺ، أو شيء من الأحكام التي لا توافق هواهم كالرجم وغيره ﴿وعلمتم﴾ أيها اليهود على لسان محمد ﷺ ﴿ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وقيل : كانوا يقرؤون الآيات المشتملة على نعت محمد ﷺ وما كانوا يفقهون معانيها إلى أن بعث الله محمداً، فظهر أن المراد منها هو البشارة بمقدمه، وقيل : الخطاب لمن آمن من قريش كقوله
﴿لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم﴾ [يس: ٦] ﴿قل الله﴾ أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون على أن ينكروا ذلك فإن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف المؤيد قول صاحبه بالمعجزات الباهرة لا يكون إلا من الله سبحانه. ونظره ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله﴾ [الأنعام: ١٩] والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها، فسواء أقر الخصم به أولم يقر فالغرض حاصل. ﴿ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ يقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه إنما أنت لاعب و﴿يلعبون﴾ حال من ﴿ذرهم﴾ أو من ﴿خوضهم﴾ ويحتمل أن يكون ﴿في خوضهم﴾ حالاً من ﴿يلعبون﴾ وأن يكون صلة له أو ل ﴿ذرهم﴾. والمعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والإنذار هذا المبلغ العظيم فقد قضيت ما عليك كقوله ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ [الشورى: ٤٨] قيل : إنها منسوخة بآية السيف وفيه نظر لأنه مذكور لأجل التهديد فلم يكن نزول آية القتال رافعاً لشيء من مدلولات هذه الآية.
﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨] ولو لم تدركه الجذبة المسندة إلى العناية لانقطع عن السير في الله بالله ونفى السدرة وهو يقول ﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿إن الله فالق﴾ حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة، وفالق النوى ذكر لا إله إلا الله في أرض القلب عن شجرة الإيمان، كلمة طيبة كشجرة طيبة يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية، ومخرج الأفعال الطبيعية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحق في الدارين. وأيضاً يخرج نخل الإيمان الحق من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله ﴿فالق الإصباح﴾ فالق ظلمة الجمادية بصباح العقل والحياة والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح الفهم والإدراك، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صحبة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات. وبالجملة فالق أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية، وجاعل ليل البشرية ستراً عن ضياء شمس الروح ليسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية ﴿والشمس والقمر حسباناً﴾ يعني تجلي شمس الروحانية وطلوع قمر القلب بالحساب لئلا يفسد أمر القلب والقالب. وأيضاً تجلى شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن إفراط طلوع شموس المعارف والشهود آفة «أنا الحق وسبحاني» وفي تفريطه آفة «أنا ربكم الأعلى وعبادة الهوى». ﴿ذلك تقدير العزيز﴾ الذي لا يهتدى إليه إلا به ﴿العليم﴾ بمن يستحق الاهتداء إليه ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم﴾ نجوم أنوار الغيوب في سموات القلوب ﴿لتهتدوا بها في ظلمات﴾ بر البشرية وبحر الروحانية إلى عالم الربوبية. ﴿وهو الذي أنشأ﴾ أرواحكم من روح واحد هو روح محمد ﷺ «أول ما خلق الله روحي كما خلق أجسادكم من جسد واحد هو جسد آدم أبي البشر» فمن الأرواح ما تعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح. وأيضاً من الأرواح ما هو مستقر فيه نور صفة الإيمان وما هو مستودع فيه جذبات الحق، ومنها ما هو مستقر في أنانيته مع علو رتبته بالبقاء وما هو مستودع أنانيته بالفناء، وما هو مستقر ببقاء الحق باق وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء ﴿قد فصلنا﴾ دلالات الوصول في الوصال ﴿لقوم يفقهون﴾ إشارات القلوب ﴿وهو الذي أنزل﴾ من سماء العناية ﴿ماء﴾ الهداية ﴿فأخرجنا به نبات كل شيء﴾ من أنواع المعارف ﴿فأخرجنا منه خضراً﴾ طرياً من المعاني والأسرار ﴿يخرج به﴾ من الحقائق ما تركب بعضها بعضها فترتب بعضها على بعض ﴿ومن النخل﴾ يعني أصحاب الولايات ﴿من طلعها﴾ من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين أي منهم من يكون مريئاً فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن المريدين. ﴿وجنات﴾ يريد أرباب الزهد والتقوى والفتوّة الذين لم يبلغوا رتبة الولاية من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع ﴿مشتبهاً﴾ أي متفقاً في الأصول والفروع ﴿وغير متشابه﴾ أي مختلفاً فيما بين العلماء ﴿انظروا﴾ إلى ثمر الولايات كيف ينتفع به الخواص والعوام ﴿وينعه﴾ أي الكامل منها. ﴿إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون﴾ بأحوالهم وينتفعون بأموالهم وأحوالهم. ﴿وجعلوا لله﴾ إشارة إلى أنه كما يخرج بماء اللطف من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات كذلك يخرج بماء القهر من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات.
القراءات :﴿يجعلونه﴾ ﴿يبدونها﴾ و﴿يخفون﴾ بياءات الغيبة : أبو عمرو وابن كثير، الباقون : على الخطاب ﴿ولينذر﴾ بياء الغيبة : أبو بكر وحماد. الباقون : بتاء الخطاب ﴿بينكم﴾ بفتح النون : أبو جعفر ونافع وعلي وحفص والمفضل. الباقون : بالرفع ﴿وجعل الليل﴾ على لفظ المضي ونصب الليل عاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون ﴿وجاعل الليل﴾ على لفظ اسم الفاعل وبالإضافة ﴿وجنات﴾ بالرفع : الأعشى والبرجمي الباقون : بالنصب ﴿فمستقر﴾ بكسر القاف : أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب. الباقون : بالفتح ﴿ثمره﴾ بضمتين : حمزة وعلي وخلف وكذلك في آخر السورة ويس. الباقون : بفتحتين ﴿وخرقوا﴾ بالتشديد : أبو جعفر ونافع. الباقون : بالتخفيف.
الوقوف :﴿من شيء﴾ ط ﴿كثيراً﴾ ط لمن قرأ ﴿يجعلونه﴾ بياء الغيبة. ومن قرأ بالتاء فوقفه حائز لانتهاء الاستفهام مع اتفاق الخطاب على تقدير وقد علمتم ﴿آباؤكم﴾ ط ﴿قل الله﴾ ط لأن قوله ﴿ذرهم﴾ معطوف على ﴿قل﴾ ﴿يلعبون﴾ ه ﴿ومن حولها﴾ ط ﴿يحافظون﴾ ه ﴿أنزل الله﴾ ط ﴿أيديهم﴾ ج لاتساق الكلام معنى مع تقدير حذف أي يقولون أخرجوا ﴿أنفسكم﴾ ط لأن المراد من اليوم يوم القيامة ﴿تستكبرون﴾ ه ﴿ظهوركم﴾ ج لاتحاد القول. والوقف أوضح لابتداء النفي وانقطاع النظم ﴿شركاء﴾ ط ﴿تزعمون﴾ ه ﴿والنوى﴾ ط ﴿من الحي﴾ ط ﴿تؤفكون﴾ ه ﴿فالق الإصباح﴾ ج لمن قرأ ﴿وجعل﴾ لانقطاع النظم واتصال المعنى على تقدير فلق وجعل، أو وقد جعل وعامل الحال معنى الفعل في فالق ﴿حسباناً﴾ ط ﴿العليم﴾ ه ﴿والبحر﴾ ط ﴿يعلمون﴾ ه ﴿ومستودع﴾ ط ﴿يفقهون﴾ ه ﴿ماء﴾ ج للعدول مع اتحاد المقصود ﴿متراكباً﴾ ط ومن قرأ ﴿وجنات﴾ بالرفع فللعطف على ﴿قنوان﴾ لفظاً فيلزمه وقفه على ﴿دانية﴾ وإلا فليعطف ويفهم أن ﴿جنات﴾ من جملة النخل، ومن خفض فوقفه على ﴿متراكباً﴾ جائز للعطف على قوله ﴿خضراً﴾ مع وقوع العارض ﴿وغير متشابه﴾ ط ﴿وينعه﴾ ط ﴿يؤمنون﴾ ه ﴿بغير علم﴾ ط ﴿يصفون﴾ ه.