فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قدرت الشيء وقدّرته : عرفت مقداره، وأصله : الستر، ثم استعمل في معرفة الشيء، أي لم يعرفوه حق معرفته، حيث أنكروا إرساله للرسل، وإنزاله للكتب. وقيل المعنى : وما قدروا نعم الله حق تقديرها. وقرأ أبو حمزة :﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ بفتح الدال : وهي لغة، ولما وقع منهم هذا الإنكار وهم من اليهود، أمر الله نبيه ﷺ أن يورد عليهم حجة لا يطيقون دفعها، فقال :﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَاء بِهِ موسى﴾ وهم يعترفون بذلك ويذعنون له، فكان في هذا من التبكيت لهم والتقريع ما لا يقادر قدره، مع إلجائهم إلى الاعتراف بما أنكروه، من وقوع إنزال الله على البشر، وهم الأنبياء عليهم السلام، فبطل جحدهم وتبين فساد إنكارهم وقيل : إن القائلين بهذه المقالة هم كفار قريش، فيكون إلزامهم بإنزال الله الكتاب على موسى من جهة أنهم يعترفون بذلك، ويعلمونه بالأخبار من اليهود، وقد كانوا يصدقونهم، و ﴿نُوراً وَهُدًى﴾ منتصبان على الحال، و ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلق بمحذوف هو صفة لهدى : أي كائناً للناس.
قوله :﴿تَجْعَلُونَهُ قراطيس﴾ أي تجعلون الكتاب الذي جاء به موسى في قراطيس تضعونه فيها ليتمّ لكم ما تريدونه من التحريف والتبديل، وكتم صفة النبي ﷺ المذكورة فيه، وهذا ذمّ لهم، والضمير في ﴿تُبْدُونَهَا﴾ راجع إلى القراطيس، وفي ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ راجع إلى الكتاب، وجملة ﴿تجعلونه﴾ في محل نصب على الحال، وجملة ﴿تبدونها﴾ صفة لقراطيس ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ معطوف على ﴿تبدونها﴾ أي وتخفون كثيراً منها، والخطاب في ﴿وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ﴾ لليهود، أي والحال أنكم قد علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم، ويحتمل أن تكون هذه الجملة استئنافية مقرّرة لما قبلها، والذي علموه هو الذي أخبرهم به نبينا محمد ﷺ من الأمور التي أوحى الله إليه بها، فإنها اشتملت على ما لم يعلموه من كتبهم، ولا على لسان أنبيائهم، ولا علمه آباؤهم، ويجوز أن يكون ما في ﴿ما لم تعلموا﴾ عبارة عما علموه من التوراة، فيكون ذلك على وجه المنّ عليهم بإنزال التوراة. وقيل : الخطاب للمشركين من قريش وغيرهم، فتكون «ما » عبارة عما علموه من رسول الله ﷺ، ثم أمره الله رسوله بأن يجيب عن ذلك الإلزام الذي ألزمهم به حيث قال :﴿مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَاء بِهِ موسى﴾ فقال :﴿قُلِ الله﴾ أي : أنزله الله ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي ذرهم في باطلهم حال كونهم يلعبون : أي يصنعون صنع الصبيان الذين يلعبون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قال : هم الكفار لم يؤمنوا بقدرة الله، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير، قد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره، إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء. قالت اليهود : يا محمد أنزل الله عليك كتاباً ؟ قال : نعم، قالوا : والله ما أنزل الله من السماء كتاباً، فأنزل الله ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَاء بِهِ موسى﴾ إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ من شَيْء﴾ قالها مشركو قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ قال : قال فنحاص اليهودي ما أنزل الله على محمد من شيء، فنزلت. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال : نزلت في مالك بن الصيف.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، قال : جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف، فخاصم النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ :" أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين ؟ وكان حبراً سميناً، فغضب وقال : والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له أصحابه : ويحك ولا على موسى ؟ قال : ما أنزل الله على بشر من شيء، فنزلت ". وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿تَجْعَلُونَهُ قراطيس﴾ قال : اليهود، وقوله :﴿وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ﴾ قال : هذه للمسلمين. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ﴾ قال : هم اليهود آتاهم الله علماً فلم يقتدوا به، ولم يأخذوا به ولم يعملوا به، فذمهم الله في علمهم ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ﴾ قال : هو القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ. وأخرج عبد بن حميد، عنه قال :﴿مُصَدّقُ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي من الكتب التي قد خلت قبله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله :﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى﴾ قال : مكة ومن حولها. قال : يعني ما حولها من القرى، إلى المشرق والمغرب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ قال : إنما سميت أمّ القرى لأن أوّل بيت [ وضع ] بها. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى﴾ قال : هي مكة، قال : وبلغني أن الأرض دحيت من مكة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء بن دينار نحوه. وأخرج الحاكم في المستدرك، عن شرحبيل بن سعد قال : نزلت في عبد الله بن أبي سرح ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء﴾ الآية. فلما دخل رسول الله ﷺ مكة فرّ إلى عثمان أخيه من الرضاعة، فغيبه عنده حتى اطمأنّ أهل مكة، ثم استأمن له. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي خلف الأَعمى : أنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح. وكذلك روى ابن أبي حاتم عن السديّ.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء﴾ قال : نزلت في مسيلمة الكذاب ونحوه ممن دعا إلى مثل ما دعا إليه ﴿وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله﴾ قال : نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة لما نزلت :﴿والمرسلات عُرْفاً فالعاصفات عَصْفاً﴾ قال : النضر وهو من بني عبد الدار : والطاحنات طحناً والعاجنات عجناً قولاً كثيراً، فأنزل الله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله :﴿غَمَرَاتِ الموت﴾ قال : سكرات الموت. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال في قوله :﴿والملائكة بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ هذا عند الموت، والبسط : الضرب ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم﴾. وأخرج أبو الشيخ عنه قال في الآية هذا ملك الموت عليه السلام. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله :﴿والملائكة بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ قال : بالعذاب.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله :﴿عَذَابَ الهون﴾ قال : الهوان.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة قال : قال النضر بن الحارث : سوف تشفع لي اللات والعزّى، فنزلت ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله :﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى﴾ الآية، قال : كيوم ولد يردّ عليه كل شيء نقص منه يوم ولد. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله :﴿وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم﴾ قال : من المال والخدم ﴿وَرَاء ظُهُورِكُمْ﴾ قال : في الدنيا. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله :﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قال : ما كان بينهم من الوصل. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله :﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قال : تواصلكم في الدنيا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى