الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الآية [ ٩٢ ].
المعنى(١) : وما عظموا الله حق عظمته(٢) ﴿إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾(٣).
وقيل : المعنى : وما عرفوه حق معرفته(٤).
والذي قال ذلك هو رجل من اليهود، جاء يخاصم(٥) النبي، فقال له النبي : " أنشدك بالذي(٦) أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين "، وكان الرجل حبرا سمينا، فغضب اليهودي وقال : والله ما أنزل الله على بشر من شيء !، فقال له أصحابه : ويحك، ولا على موسى ؟، فقال : والله ما أنزل الله على بشر من شيء !، فأنزل الله :﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الآية(٧).
وقال محمد بن كعب القرظي : جاء ناس من اليهود إلى النبي فقالوا(٨) : يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحا يحملها من عند الله ؟، فأنزل الله ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء﴾ الآية(٩)، ثم ﴿قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾، فأنزل الله :﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الآية، ثم قال الله لنبيه محتجا عليهم :﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس﴾(١٠) إلى قوله :﴿قل الله﴾(١١).
وقيل : إن هذا خبر عن مشركي العرب أنكروا أن يكون الله أنزل على أحد كتابا(١٢).
وقوله :﴿تجعلونه(١٣) قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا﴾ هم يهود أخفوا(١٤) من التوراة ما أرادوا، وأبدوا ما أرادوا(١٥).
واختيار(١٦) الطبري أن يكون ذلك خطابا لقريش، لأنه في سياق الحديث عنهم، ولأن اليهود لم يجر لهم ذكر(١٧).
قال مجاهد :﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس﴾ هو خطاب لمشركين العرب، ﴿تجعلونه(١٨) قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا﴾ إخبار(١٩) عن اليهود، ﴿وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ للمسلمين(٢٠).
فمن قرأ بالياء في ( يجعلونه ) و( يبدون ) و( يخفون )(٢١)، رَدَّه على الناس(٢٢).
ومن قرأ بالتاء(٢٣)، فعلى المخاطبة لليهود(٢٤)، والمعنى : علمتم علما فلم يكن لكم علم لتضييعكم إياه، ولا لآبائكم لتضييعهم إياه، لأن من علم شيئا وضيّعه، فليس له علم(٢٥).
ويجوز أن يكون المعنى : وعلمتم علما لم تكونوا تعلمونه أنتم ولا آباؤكم، على الامتنان عليهم بإنزال(٢٦) التوراة /(٢٧) عليهم(٢٨)، والأول(٢٩) : قول أهل التفسير.
﴿وهدى للناس﴾ وقف على قراءة من قرأ بالياء في ﴿تجعلونه﴾ وما بعده، ﴿ولا آباؤكم﴾ تمام عند نافع، ﴿قل(٣٠) الله﴾ التمام(٣١) عند الفراء(٣٢)، لأن المعنى عنده : قل الله علمكم(٣٣).
وقيل : المعنى : قل يا محمد : الله أنزله، ولا جواب لقوله :﴿قل من أنزل الكتاب﴾(٣٤).
وقوله :﴿ثم ذرهم في خوضهم﴾ أي : دعهم في باطلهم(٣٥)، وهذا تهديد(٣٦) من الله لهم(٣٧).
١ ب: والمعنى..
٢ انظر: معاني الفراء ١/٣٤٣، وإعراب النحاس ١/٥٦٤..
٣ انظر: تفسير الطبري ١١/٥٢١، ومعاني الزجاج ٢/٢٧١..
٤ مجاز أبي عبيدة ١/٢٠٠..
٥ ب: نحاصم. د: تخاصم..
٦ ب د: الذي..
٧ هو قول ابن جبير في تفسير الطبري ١١/٥٢١، ٥٢٢، وفيه أن اليهودي هو مالك بن الصيف، وكذا في أسباب النزول ١٤٧، ١٤٨، ولباب النقول ١٠٢..
٨ د: فقال..
٩ النساء آية ١٥٢..
١٠ ساقطة من ب د..
١١ انظر: تفسير الطبري ١١/٥٢٢، ٥٢٣..
١٢ د: كتاب. وهو قول مجاهد وابن عباس في تفسير الطبري ١١/٥٢٤..
١٣ د: يجعلونه..
١٤ د: اخبئو..
١٥ انظر: تفسير الطبري ١١/٥٢٥، ٥٢٦..
١٦ ب د: اختار..
١٧ انظر: تفسيره ١١/٥٢٤..
١٨ د: يجعلونه..
١٩ د: أخبارا..
٢٠ انظر: تفسير الطبري ١١/٥٢٤، ٥٢٧، والقطع ٣١٢..
٢١ (ابن كثير وأبوعمرو): السبعة ٢٦٢، ومجاهد أيضا في القطع ٣١٢..
٢٢ انظر: تفسير الطبري ١١/٥٢٦، ومعاني الفراء ١/٣٤٣، وحجة ابن خالويه ١٤٥، وفي المحرر ٦/١٠٥ تناسق هذه القراءة مع قوله: ﴿وعلمتم ما لم تعلموا﴾..
٢٣ (نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي): السبعة ٢٦٣..
٢٤ انظر: تفسير الطبري ١١/٥٢٦، ومعاني الفراء ١/٣٤٣، وحجة ابن خالويه ١٤٥، وفي المحرر ٦/١٠٥ تناسق هذه القراءة مع قوله: ﴿وعلمتم ما لم تعلموا﴾..
٢٥ في الدر ٣/٣١٥ قول قتادة: (هم اليهود، آتاهم الله علما فلم يقتدوا به ولم يأخذوا به ولم يعملوا به، فذمهم الله في عملهم ذلك)..
٢٦ مخرومة في أ. ب: فأنزل..
٢٧ جلها مطموس في بعض الخرم..
٢٨ انظر: وجهيْ معنى القراءة في المحرر ٦/١٠٦، وذكر القرطبي في أحكامه ٧/٣٧، ٣٨ الوجه الثاني فقط..
٢٩ مخرومة في أ..
٣٠ ب: وقل. د: وقال..
٣١ د: تمام..
٣٢ ب: القرا..
٣٣ انظر: القطع ٣١٢، ٣١٣، وفي معاني الفراء: (قل الله أنزله) ١/٣٤٣..
٣٤ انظر: معاني الفراء ١/٣٤٣، وتفسير الطبري ١١/٥٢٨، ٥٢٩..
٣٥ ب د: باطلهم يلعبون..
٣٦ ب: تهديد..
٣٧ انظر: تفسير الطبري ١١/٥٢٩، وفي ناسخ ابن العربي ٢/٢١٢: (وحيث وقع ﴿ذرهم﴾ في القرآن، فهو منسوخ مثل هذا، وهذا أبين من إطناب فيه)، وفي نواسخ القرآن ١٥٥: (فهو محكم وهذا أصح)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى