اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
" فُرَادَى " منصوب على الحال من فاعل " جِئْتُمُونَا "، و " جئتمُونَا " فيه وجهان :
أحدهما : أنه بمعنى المستقبل، أي : تجيئوننا، وإنما أبرزه في صورة الماضي لِتَحَقُّقِهِ كقوله تعالى :﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤].
والثاني : أنه ماضٍ، والمراد به حكاية الحال بين يدي الله -تعالى- يوم يُقال لهم ذلك، فذلك اليوم يكون مجيئهم ماضياً بالنسبة إلى ذلك اليَوْمِ.
واختلفوا في قول هذا القَائِل، فقيل : هو قول الملائكة المُوَكَّلِينَ بعقابهم.
وقيل : هو قول الله تعالى، ومنشأ هذا الخلاف أن الله -تبارك وتعالى- هل يَتَكَلَّمُ مع الكُفَّارِ أم لا ؟ فقوله تبارك وتعالى في صفة الكفار :" وَلاَ يُكَلِّمُهُم " يوجب ألاَّ يتكلم معهم، فلهذا السبب وقع الاخْتِلافُ، والأول أقوى ؛ لأن هذه الآية الكريمة معطوفة على ما قبلها، والعطف يوجب التَّشْرِيكَ.
واختلفوا في " فُرَادَى " هل هو جمع أم لا، والقائلون بأنه جَمْعٌ اختلفوا في مُفْرَدِهِ : فقال الفراء :" فُرَادى " جمع " فَرْد وفَرِيد وفَرَد وفَرْدَان " فجوز أن يكون جَمْعاً لهذه الأشياء.
وقال ابن قُتَيْبَةَ(١) : هو جمع " فَرْدانَ " كسَكْرَانَ وسُكَارَى وعَجْلان وعُجالى.
وقال قوم : هو جمع فَرِيد كَرَدِيف ورُدَافى، وأسِير وأسَارى، قاله الراغب(٢)، وقال : هو جمع " فَرَد " بفتح الراء، وقيل بسكونها، وعلى هذا فألفها للتأنيث كألف " سُكَارى " و " أسارى " فيمن لم يتصرف.
وقيل : هو اسم جمع ؛ لأن " فرد " لا يجمع على فُرَداى فرد أفراد، فإذا قلت : جاء القوم فُرَادى فمعناه واحداً واحداً.
قال الشاعر :[ الطويل ]
ويقال : فَرِدَ يَفْرُدُ فُرُوداً فهو فَارِدٌ، وأفردته أنا، ورجل أفْرَدُ، وامرأة فَرْدَاءُ كأحمر وحمراء، والجمع على هذا فُرْدٌ كحُمْر، ويقال في فُرَادى :" فَرَاد " على زِنَةِ " فعَال "، فينصرف، وهي لغة " تميم " وبها قرأ عيسى(٤) بن عمر، وأبو حيوة :" وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فَرَاداً " وقال أبو البقاء(٥) : وقرئ بالشاذ(٦) بالتنوين على أنه اسم صحيح، فقال في الرفع فُرَادٌ مثل :" تُؤام ودخال وهو جمع قليل ". انتهى.
ويقال أيضاً " جاء القوم فُرَادَ غير منصرف، فهو كَأحاد ورُبَاع في كونه معدولاً صفة، وهو قرءاة شاذّة هنا.
وروى خارجة عن نافع، وأبي عمرو كليهما(٧) أنهما قرأ " فُرَادَى " مثل سُكَارَى " اعتباراً بتأنيث الجماعة، كقوله تبارك وتعالى :
﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] فهذه أربع قراءات مشهورة، وثلاث في الشواذ فراد الرجال، فراداً كأحاد، فَرْدَى كَسَكْرَى.
قوله :" كَمَا خَلَقْناكُمْ " في هذه أوجه :
أحدها : أنها مَنْصُوبَةُ المحل على الحال من فاعل " جئتمونا " فمن أجاز تَعَدُّدَ الحال أجاز من غير تأويل، ومن منع ذلك جعل " الكاف " بدلاً من " فُرَادَى ".
الثاني : أنها في مَحَلِّ نصب نَعْتاً لمصدر محذوف، أي : مجيئاً مثل مجيئكم يوم خلقناكم، وقدره(٨) مكي : منفردين انفراداً مثل حالكم أول مرة، والأوّل أحسن ؛ لأن دلالة الفعل على المَصْدَرِ أقوى من دلالة الوَصْفِ عليه.
الثالث : أن " الكاف " في مَحَلِّ نصب على الحال من الضمير المُسْتكنِّ في " فُرَادى "، أي : مشبهين ابتداء خلقكم، وكذا قَدَّرهُ أبو البقاء(٩)، وفيه نظر ؛ لأنهم لم يشبهوا بابتداء خلقهم، وصوابه أن يقدر مُضَافاً أي : مشبهة حالكم حال ابتداء خلقكم.
قوله :" أوَّلَ مَرَّة " مَنْصُوبٌ على ظرف الزمان، والعامل فيه " خلقناكم "، و " مرة " في الأصل مصدر ل " مَرَّ يَمُرُّ مَرَّةً " ثم اتُّسِعَ فيها، فصارت زماناً.
قال أبو البقاء(١٠) رحمه الله :" وهذا يَدُلُّ على قوة شبه الزمان بالفعل ".
وقال أبو حيان(١١) :" وانتصب " أوَّل مرة " على الظرف، أي : أول زمان ولا يتقدَّر أوّل خلق ؛ لأن أول خلق يستدعي خَلْقاً ثانياً، إنما ذلك إعادة لا خَلْقٌ ".
يعني : أنه لا يجوز أن يكون المرَّة على بابها من المَصْدَريَّةِ، ويقدر أوّل مرة من الخَلْقِ لما ذكر.
قوله :" وتَرَكْتُمْ " فيها وجهان :
أحدهما : إنها في محلِّ نصب على الحال من فاعل " جئتمونا "، و " قد " مضمرة على رأي الكوفيين أي : وقد تركتم.
والثاني : أنها لا مَحَلَّ لها لاستئنافها، و " ما " مفعولة ب " ترك "، وهي موصولة اسمية، ويضعف جعلها نَكِرَةً موصوفة، والعائد محذوف، أي : ما خَولناكُمُوهُ، و " ترك " متعدية لواحد ؛ لأنها بمعنى التخلية ولو ضمنت معنى " صيَّر " تعدَّت لاثنين، و " خوَّل " يتعدَّى لاثنين ؛ لأنه بمعنى " أعطى وملك "، والخول ما أعطاه الله من النِّعم.
قال أبو النجم :[ الرجز ]
فمعنى : خولته كمن أملكته الخول فيه كقولهم : خوَّلته، أي : ملكته المال.
وقال الرَّاغب(١٣) : التَّخْوِيلُ في الأصل إعطاء الخول.
وقيل : إعطاء ما يصير له خولاً وقيل : إعطاء ما يحتاج أن يتعهَّدَهُ من قولهم :" فلان خال مال وخايل مال أي حسن القيام عليه ".
وقوله :" وَراءَ ظُهُورِكُمْ " متعلّق ب " تركتم " ويجوز أن يضمن " ترك " هنا معنى " صيَّر "، فيتعدى لاثنين : أولهما الموصول، والثاني هذا الظرف متعلّق بمحذوف، أي : وصيّرتم بالتَّرْكِ الذي خَوَّلناكموه كائناً وراء ظهوركم.
قوله تعالى :" وَمَا نَرَى " الظَّاهر أنها المُتعدِّية لواحد، فهي بصرية، فعلى هذا يكون " معكم " متعلّق ب " نرى "، ويجوز أن يكون بمعنى " علم "، فيتعدى لاثنين، ثانيهما هو الظرف، فيتعلّق بمحذوف، أي : ما نراهم كائنين معكم، أي مصاحبتكم.
إلاَّ ان أبا البقاء(١٤) اسْتَضْعَفَ هذا الوجه، وهو كما قال ؛ إذ يصير المعنى : وما يعلم شُفَعَاءكم معكم، وليس المعنى عليه قطعاً.
وقال أبو البقاء(١٥) - رحمه لله - :" ولا يجوز أن يكون أي معكم حالاً من " الشفعاء " ؛ إذ المعنى يصير أن شفعاءهم معهم ولا تراهم ". وفيما قاله نظرٌ لا يخفى، وذلك أن النفي إذا دخل على ذاتٍ بِقَيْدٍ، ففيه وجهان :
أحدهما : نفي تلك الذّات بقيدها.
والثاني : نفي القَيْد فقط دون نَفْي الذَّات.
فإن قلت " ما رأيت زيداً ضاحكاً "، فيجوز أنك لم تَرَ زَيْداً ألبَتَّة، ويجوز أنك رأيته من غير ضِحْكٍ، فكذا هاهنا، إذ التقدير : وما نرى معكم شفعاءكم مصاحبيكم، يجوز أن لم يروا الشفعاء ألْبَتَّة، ويجوز أن يَرَوْهُمْ دون مُصَاحبتهم لهم، فمن أين يلزم أنهم يكونون معهم، ولا يرونهم من هذا التركيب، وقد تقدم تَحْقِيقُ هذه القاعدة في أوائل سورة " البقرة " (١٦) في قوله :﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣].
و " أنهم " سد مَسَدَّ المفعولين ل " زعم " و " فيكم " متعلق بنفس شركاء، والمعنى : الذين زعمتم أنهم شركاء الله فيكم، أي في عبادتكم، أو في خلقكم، لأنكم أشركتموهم مع الله -تعالى- في عبادتكم وخلقكم.
وقيل " في " بمعنى " عند "، ولا حاجة إليه.
وقيل : المعنى أنهم يتحملون عنكم نَصِيباً من العذاب، أي : شركاء في عذابكم إن كنت تعتقدون فيهم أنكم إذا أصابتكم نَائِيَةٌ شاركوكم فيها.
معنى الآية الكريمة :﴿جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ : حُفَاةً عُرَاةً، وخلَّفتم ما أعطيناكم من الأموال والأولاد والخَدَم خلف ظهوركم في الدنيا، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شُرَكَاءُ، وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصْنَامَ ؛ لأنهم شركاء الله، وشفعاؤهم عنده، والمراد من الآية التَّقْريع والتوبيخ، وذلك لأنهم صرفوا جدَّهم وجهدهم إلى تحصيل المال والجاهِ، وعبدوا الأصنام لاعتقادهم أنها شفعاؤهم عند الله تبارك وتعالى، ثم أنهم لما وردوا مَحْفَلَ القيامة لم يَبْقَ لهم من تلك الأموال شيء، ولم يجدوا من تلك الأصنام شَفَاعَةً فبقوا فرادى على كل ما حَصَّلُوهُ في الدنيا، وعَوَّلُوا عليه، بخلاف أهل الإيمان، فإنهم صرفوا هَمَّهُمْ إلى الأعمال الصالحة، فَبَقِيَتْ معهم في قبورهم، وحضرت معهم في مَحْفَل القيامة، فهم في الحقيقة ما حضروا فرادى.
قوله " لقد تقطَّع بَيْنَكُم " قرأ نافع، والكسائي(١٧)، وعاصم في رواية حفْص عنه " بَيْنَكُمْ " نَصْباً، والباقون(١٨) " بَيْنُكُمْ " رفعاً.
فأما القراءة الأولى ففيها سبعة أوجه :
أحدها، وهي أحسنها : أن الفاعل مضمر يعود على الاتِّصالِ، والاتصال وإن لم يكن مذكوراً حتى يعود عليه ضمير، لكنه تقدم ما يَدُلُّ عليه، وهو لفظ " شركاء "، فإن الشركة تشعر بالاتِّصَالِ، والمعنى : لقد تقطع بينكم الاتصال على الظرفية.
الثاني : أن الفاعل هو " بينكم "، وإنما بقي على حالِهِ منصوباً حَملاً له على أغلب أحواله، وهو مذهب الأخفش، وجعلوا من ذلك أيضاً قوله :﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ١٧] فيمن بناه إلى المفعول، وكذا قوله تعالى :﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] [ قال الواحدي(١٩) : كما جرى في كلامهم ](٢٠) منصوباً ظرفاً، تركوه على ما يكون عليه في أكثر الكلام ثم قال في قوله :﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِك﴾، ف " دُونَ " في موضع رفع عندهم، وإن كان منصوب اللفظ، ألا ترى أنك تقول : منا الصالحون، ومنا الظالمون، إلا أن الناس لما حَكَوْا هذا المَذْهَبَ لم يتعرَّضُوا على هذا الظرف، بل صرحوا بأنه مُعْرَبٌ، وهو مرفوع المحل قالوا : أو إنما بقي على انْتِصَابِه اعتباراً بأغلب أحواله في كلام أبي حيان، لما حكى مذهب الأخفش ما يصرح بأنه مَبْنِيٌّ، فإنه قال : وخرجه الأخفشُ على أنه فاعل، ولكنه مبني حَمْلاً على أكثر أحوال هذا الظَّرْفِ، وفيه نظر ؛ لأن الذي لا يَصْلُحُ أن يكون عِلَّة البناء، وعِلَل البناء مَحْصُورةٌ ليس هذا منها.
ثم قال أبو حيان(٢١) :" وقد يُقَالُ لاضافته إلى مبني كقوله
﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِك﴾ [الجن: ١١] وهذا ظاهرٌ في أنه جعل حَمْلهُ على أكثر أحواله عِلَّةً لبنائه كما تقدم ".
الثالث : أن الفاعلَ محذوفٌ و " بينكم " صِفَةٌ له قامت مُقامَهُ، تقديره : لقد تقطع وصْلُ بينكم، قاله أبو البقاء(٢٢)، وردَّه أبو حيان(٢٣) بأن الفاعل لا يُحْذَفُ، وهذا غير ردٍّ عليه، فإنه يعني بالحذف عدمَ ذكره لفظاً وأن شيئاً قام مقامه، فكأنه لم يحذف.
وقال ابن عطيَّة(٢٤) :" ويكون الفعل مُسْنداً إلى شيء محذوف، أي : لقد تقطَّع الاتِّصالُ بينكم والارتباط ونحو هذا ".
وهذا وجه وَاضِحٌ، وعليه فَسَّر الناس، وردَّه أبو حيان(٢٥) لما تقدم، ويجاب عنه بأنه عبر بالحذف عن الإضمارِ، لأن كلاً منهما غير مَوْجُودٍ لفظاً.
الرابع : أن " بينكم " هو الفاعل، وإنما بني لإضافته إلى غير مُتَمكنٍ، كقوله تعا
أحدهما : أنه بمعنى المستقبل، أي : تجيئوننا، وإنما أبرزه في صورة الماضي لِتَحَقُّقِهِ كقوله تعالى :﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤].
والثاني : أنه ماضٍ، والمراد به حكاية الحال بين يدي الله -تعالى- يوم يُقال لهم ذلك، فذلك اليوم يكون مجيئهم ماضياً بالنسبة إلى ذلك اليَوْمِ.
واختلفوا في قول هذا القَائِل، فقيل : هو قول الملائكة المُوَكَّلِينَ بعقابهم.
وقيل : هو قول الله تعالى، ومنشأ هذا الخلاف أن الله -تبارك وتعالى- هل يَتَكَلَّمُ مع الكُفَّارِ أم لا ؟ فقوله تبارك وتعالى في صفة الكفار :" وَلاَ يُكَلِّمُهُم " يوجب ألاَّ يتكلم معهم، فلهذا السبب وقع الاخْتِلافُ، والأول أقوى ؛ لأن هذه الآية الكريمة معطوفة على ما قبلها، والعطف يوجب التَّشْرِيكَ.
واختلفوا في " فُرَادَى " هل هو جمع أم لا، والقائلون بأنه جَمْعٌ اختلفوا في مُفْرَدِهِ : فقال الفراء :" فُرَادى " جمع " فَرْد وفَرِيد وفَرَد وفَرْدَان " فجوز أن يكون جَمْعاً لهذه الأشياء.
وقال ابن قُتَيْبَةَ(١) : هو جمع " فَرْدانَ " كسَكْرَانَ وسُكَارَى وعَجْلان وعُجالى.
وقال قوم : هو جمع فَرِيد كَرَدِيف ورُدَافى، وأسِير وأسَارى، قاله الراغب(٢)، وقال : هو جمع " فَرَد " بفتح الراء، وقيل بسكونها، وعلى هذا فألفها للتأنيث كألف " سُكَارى " و " أسارى " فيمن لم يتصرف.
وقيل : هو اسم جمع ؛ لأن " فرد " لا يجمع على فُرَداى فرد أفراد، فإذا قلت : جاء القوم فُرَادى فمعناه واحداً واحداً.
قال الشاعر :[ الطويل ]
| تَرَى النُّعَراتِ الزُّرْقَ تَحْتَ لِبَانِهِ | فُرَادَى وَمَثْنَى أثْقَلَتْهَا صَوَاهِلُهْ(٣) |
ويقال أيضاً " جاء القوم فُرَادَ غير منصرف، فهو كَأحاد ورُبَاع في كونه معدولاً صفة، وهو قرءاة شاذّة هنا.
وروى خارجة عن نافع، وأبي عمرو كليهما(٧) أنهما قرأ " فُرَادَى " مثل سُكَارَى " اعتباراً بتأنيث الجماعة، كقوله تبارك وتعالى :
﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] فهذه أربع قراءات مشهورة، وثلاث في الشواذ فراد الرجال، فراداً كأحاد، فَرْدَى كَسَكْرَى.
قوله :" كَمَا خَلَقْناكُمْ " في هذه أوجه :
أحدها : أنها مَنْصُوبَةُ المحل على الحال من فاعل " جئتمونا " فمن أجاز تَعَدُّدَ الحال أجاز من غير تأويل، ومن منع ذلك جعل " الكاف " بدلاً من " فُرَادَى ".
الثاني : أنها في مَحَلِّ نصب نَعْتاً لمصدر محذوف، أي : مجيئاً مثل مجيئكم يوم خلقناكم، وقدره(٨) مكي : منفردين انفراداً مثل حالكم أول مرة، والأوّل أحسن ؛ لأن دلالة الفعل على المَصْدَرِ أقوى من دلالة الوَصْفِ عليه.
الثالث : أن " الكاف " في مَحَلِّ نصب على الحال من الضمير المُسْتكنِّ في " فُرَادى "، أي : مشبهين ابتداء خلقكم، وكذا قَدَّرهُ أبو البقاء(٩)، وفيه نظر ؛ لأنهم لم يشبهوا بابتداء خلقهم، وصوابه أن يقدر مُضَافاً أي : مشبهة حالكم حال ابتداء خلقكم.
قوله :" أوَّلَ مَرَّة " مَنْصُوبٌ على ظرف الزمان، والعامل فيه " خلقناكم "، و " مرة " في الأصل مصدر ل " مَرَّ يَمُرُّ مَرَّةً " ثم اتُّسِعَ فيها، فصارت زماناً.
قال أبو البقاء(١٠) رحمه الله :" وهذا يَدُلُّ على قوة شبه الزمان بالفعل ".
وقال أبو حيان(١١) :" وانتصب " أوَّل مرة " على الظرف، أي : أول زمان ولا يتقدَّر أوّل خلق ؛ لأن أول خلق يستدعي خَلْقاً ثانياً، إنما ذلك إعادة لا خَلْقٌ ".
يعني : أنه لا يجوز أن يكون المرَّة على بابها من المَصْدَريَّةِ، ويقدر أوّل مرة من الخَلْقِ لما ذكر.
قوله :" وتَرَكْتُمْ " فيها وجهان :
أحدهما : إنها في محلِّ نصب على الحال من فاعل " جئتمونا "، و " قد " مضمرة على رأي الكوفيين أي : وقد تركتم.
والثاني : أنها لا مَحَلَّ لها لاستئنافها، و " ما " مفعولة ب " ترك "، وهي موصولة اسمية، ويضعف جعلها نَكِرَةً موصوفة، والعائد محذوف، أي : ما خَولناكُمُوهُ، و " ترك " متعدية لواحد ؛ لأنها بمعنى التخلية ولو ضمنت معنى " صيَّر " تعدَّت لاثنين، و " خوَّل " يتعدَّى لاثنين ؛ لأنه بمعنى " أعطى وملك "، والخول ما أعطاه الله من النِّعم.
قال أبو النجم :[ الرجز ]
| كُومِ الذُّرَى مِنْ خَوَلِ المُخَوَّل(١٢) | . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . |
وقال الرَّاغب(١٣) : التَّخْوِيلُ في الأصل إعطاء الخول.
وقيل : إعطاء ما يصير له خولاً وقيل : إعطاء ما يحتاج أن يتعهَّدَهُ من قولهم :" فلان خال مال وخايل مال أي حسن القيام عليه ".
وقوله :" وَراءَ ظُهُورِكُمْ " متعلّق ب " تركتم " ويجوز أن يضمن " ترك " هنا معنى " صيَّر "، فيتعدى لاثنين : أولهما الموصول، والثاني هذا الظرف متعلّق بمحذوف، أي : وصيّرتم بالتَّرْكِ الذي خَوَّلناكموه كائناً وراء ظهوركم.
قوله تعالى :" وَمَا نَرَى " الظَّاهر أنها المُتعدِّية لواحد، فهي بصرية، فعلى هذا يكون " معكم " متعلّق ب " نرى "، ويجوز أن يكون بمعنى " علم "، فيتعدى لاثنين، ثانيهما هو الظرف، فيتعلّق بمحذوف، أي : ما نراهم كائنين معكم، أي مصاحبتكم.
إلاَّ ان أبا البقاء(١٤) اسْتَضْعَفَ هذا الوجه، وهو كما قال ؛ إذ يصير المعنى : وما يعلم شُفَعَاءكم معكم، وليس المعنى عليه قطعاً.
وقال أبو البقاء(١٥) - رحمه لله - :" ولا يجوز أن يكون أي معكم حالاً من " الشفعاء " ؛ إذ المعنى يصير أن شفعاءهم معهم ولا تراهم ". وفيما قاله نظرٌ لا يخفى، وذلك أن النفي إذا دخل على ذاتٍ بِقَيْدٍ، ففيه وجهان :
أحدهما : نفي تلك الذّات بقيدها.
والثاني : نفي القَيْد فقط دون نَفْي الذَّات.
فإن قلت " ما رأيت زيداً ضاحكاً "، فيجوز أنك لم تَرَ زَيْداً ألبَتَّة، ويجوز أنك رأيته من غير ضِحْكٍ، فكذا هاهنا، إذ التقدير : وما نرى معكم شفعاءكم مصاحبيكم، يجوز أن لم يروا الشفعاء ألْبَتَّة، ويجوز أن يَرَوْهُمْ دون مُصَاحبتهم لهم، فمن أين يلزم أنهم يكونون معهم، ولا يرونهم من هذا التركيب، وقد تقدم تَحْقِيقُ هذه القاعدة في أوائل سورة " البقرة " (١٦) في قوله :﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣].
و " أنهم " سد مَسَدَّ المفعولين ل " زعم " و " فيكم " متعلق بنفس شركاء، والمعنى : الذين زعمتم أنهم شركاء الله فيكم، أي في عبادتكم، أو في خلقكم، لأنكم أشركتموهم مع الله -تعالى- في عبادتكم وخلقكم.
وقيل " في " بمعنى " عند "، ولا حاجة إليه.
وقيل : المعنى أنهم يتحملون عنكم نَصِيباً من العذاب، أي : شركاء في عذابكم إن كنت تعتقدون فيهم أنكم إذا أصابتكم نَائِيَةٌ شاركوكم فيها.
فصل في معنى الآية
معنى الآية الكريمة :﴿جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ : حُفَاةً عُرَاةً، وخلَّفتم ما أعطيناكم من الأموال والأولاد والخَدَم خلف ظهوركم في الدنيا، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شُرَكَاءُ، وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصْنَامَ ؛ لأنهم شركاء الله، وشفعاؤهم عنده، والمراد من الآية التَّقْريع والتوبيخ، وذلك لأنهم صرفوا جدَّهم وجهدهم إلى تحصيل المال والجاهِ، وعبدوا الأصنام لاعتقادهم أنها شفعاؤهم عند الله تبارك وتعالى، ثم أنهم لما وردوا مَحْفَلَ القيامة لم يَبْقَ لهم من تلك الأموال شيء، ولم يجدوا من تلك الأصنام شَفَاعَةً فبقوا فرادى على كل ما حَصَّلُوهُ في الدنيا، وعَوَّلُوا عليه، بخلاف أهل الإيمان، فإنهم صرفوا هَمَّهُمْ إلى الأعمال الصالحة، فَبَقِيَتْ معهم في قبورهم، وحضرت معهم في مَحْفَل القيامة، فهم في الحقيقة ما حضروا فرادى.
قوله " لقد تقطَّع بَيْنَكُم " قرأ نافع، والكسائي(١٧)، وعاصم في رواية حفْص عنه " بَيْنَكُمْ " نَصْباً، والباقون(١٨) " بَيْنُكُمْ " رفعاً.
فأما القراءة الأولى ففيها سبعة أوجه :
أحدها، وهي أحسنها : أن الفاعل مضمر يعود على الاتِّصالِ، والاتصال وإن لم يكن مذكوراً حتى يعود عليه ضمير، لكنه تقدم ما يَدُلُّ عليه، وهو لفظ " شركاء "، فإن الشركة تشعر بالاتِّصَالِ، والمعنى : لقد تقطع بينكم الاتصال على الظرفية.
الثاني : أن الفاعل هو " بينكم "، وإنما بقي على حالِهِ منصوباً حَملاً له على أغلب أحواله، وهو مذهب الأخفش، وجعلوا من ذلك أيضاً قوله :﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ١٧] فيمن بناه إلى المفعول، وكذا قوله تعالى :﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] [ قال الواحدي(١٩) : كما جرى في كلامهم ](٢٠) منصوباً ظرفاً، تركوه على ما يكون عليه في أكثر الكلام ثم قال في قوله :﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِك﴾، ف " دُونَ " في موضع رفع عندهم، وإن كان منصوب اللفظ، ألا ترى أنك تقول : منا الصالحون، ومنا الظالمون، إلا أن الناس لما حَكَوْا هذا المَذْهَبَ لم يتعرَّضُوا على هذا الظرف، بل صرحوا بأنه مُعْرَبٌ، وهو مرفوع المحل قالوا : أو إنما بقي على انْتِصَابِه اعتباراً بأغلب أحواله في كلام أبي حيان، لما حكى مذهب الأخفش ما يصرح بأنه مَبْنِيٌّ، فإنه قال : وخرجه الأخفشُ على أنه فاعل، ولكنه مبني حَمْلاً على أكثر أحوال هذا الظَّرْفِ، وفيه نظر ؛ لأن الذي لا يَصْلُحُ أن يكون عِلَّة البناء، وعِلَل البناء مَحْصُورةٌ ليس هذا منها.
ثم قال أبو حيان(٢١) :" وقد يُقَالُ لاضافته إلى مبني كقوله
﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِك﴾ [الجن: ١١] وهذا ظاهرٌ في أنه جعل حَمْلهُ على أكثر أحواله عِلَّةً لبنائه كما تقدم ".
الثالث : أن الفاعلَ محذوفٌ و " بينكم " صِفَةٌ له قامت مُقامَهُ، تقديره : لقد تقطع وصْلُ بينكم، قاله أبو البقاء(٢٢)، وردَّه أبو حيان(٢٣) بأن الفاعل لا يُحْذَفُ، وهذا غير ردٍّ عليه، فإنه يعني بالحذف عدمَ ذكره لفظاً وأن شيئاً قام مقامه، فكأنه لم يحذف.
وقال ابن عطيَّة(٢٤) :" ويكون الفعل مُسْنداً إلى شيء محذوف، أي : لقد تقطَّع الاتِّصالُ بينكم والارتباط ونحو هذا ".
وهذا وجه وَاضِحٌ، وعليه فَسَّر الناس، وردَّه أبو حيان(٢٥) لما تقدم، ويجاب عنه بأنه عبر بالحذف عن الإضمارِ، لأن كلاً منهما غير مَوْجُودٍ لفظاً.
الرابع : أن " بينكم " هو الفاعل، وإنما بني لإضافته إلى غير مُتَمكنٍ، كقوله تعا
١ ينظر: تفسير غريب القرآن ١٥٧..
٢ ينظر: المفردات ٣٧٥..
٣ تقدم..
٤ ينظر: المشكل ١/٢٧٨..
٥ ينظر: الإملاء ١/٢٥٣..
٦ ينظر: الدر المصون ٣/١٢٥..
٧ ينظر: الدر المصون ٣/١٢٥، البحر المحيط ٤/١٨٥..
٨ ينظر: المشكل ١/٢٧٨..
٩ ينظر: الإملاء ١/٢٥٣..
١٠ ينظر: المصدر السابق..
١١ ينظر: البحر المحيط ٤/١٨٥ ـ ١٨٦..
١٢ عجز بيت وصدره:
من أرجوزة طويلة مع شرحها في الطرائف الأدبية ٥٧ ـ ٧١، اللسان (خول)، مجاز القرآن ٢/١٨٨، وشواهد المغني ص ١٥٤، والمعاهد ١/٧، الخزانة ٢/٣٩٠، الدر المصون ٣/١٢٦، والقرطبي ١٥/٢٣٧..
١٣ ينظر: المفردات ١٦٣..
١٤ ينظر: الإملاء ١/٢٥٤..
١٥ ينظر: المصدر السابق..
١٦ الآية ٢٧٣..
١٧ ينظر: ينظر: الدر المصون ٣/١٢٦، البحر المحيط ٤/١٨٦، إتحاف فضلاء البشر ٢/٢٢ ـ ٢٣، الحجة لأبي زرعة ٢٦١ ـ ٢٦٢، السبعة ٢٦٣، النشر ٢/٢٦٠..
١٨ ينظر: ينظر: الدر المصون ٣/١٢٦، البحر المحيط ٤/١٨٦، إتحاف فضلاء البشر ٢/٢٢ ـ ٢٣، الحجة لأبي زرعة ٢٦١ ـ ٢٦٢، السبعة ٢٦٣، النشر ٢/٢٦٠، التبيان ١/٥٢٢، الزجاج ٢/٣٠٠، الفراء ١/٣٤٥، المشكل ١/٢٦٢ ـ ٢٦٣، المستدرك ٢/٢٣٨ الحجة ٢٦٣..
١٩ ينظر: الفخر الرازي ١٣/٧٢..
٢٠ سقط في أ..
٢١ ينظر: البحر المحيط ٤/١٨٦..
٢٢ ينظر: الإملاء ١/٢٥٤..
٢٣ ينظر: البحر المحيط ٤/١٨٦..
٢٤ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٢٥..
٢٥ ينظر: البحر المحيط ٤/١٨٦..
٢ ينظر: المفردات ٣٧٥..
٣ تقدم..
٤ ينظر: المشكل ١/٢٧٨..
٥ ينظر: الإملاء ١/٢٥٣..
٦ ينظر: الدر المصون ٣/١٢٥..
٧ ينظر: الدر المصون ٣/١٢٥، البحر المحيط ٤/١٨٥..
٨ ينظر: المشكل ١/٢٧٨..
٩ ينظر: الإملاء ١/٢٥٣..
١٠ ينظر: المصدر السابق..
١١ ينظر: البحر المحيط ٤/١٨٥ ـ ١٨٦..
١٢ عجز بيت وصدره:
| أعطى فلم يبخل ولم يبخّل | ...................... |
١٣ ينظر: المفردات ١٦٣..
١٤ ينظر: الإملاء ١/٢٥٤..
١٥ ينظر: المصدر السابق..
١٦ الآية ٢٧٣..
١٧ ينظر: ينظر: الدر المصون ٣/١٢٦، البحر المحيط ٤/١٨٦، إتحاف فضلاء البشر ٢/٢٢ ـ ٢٣، الحجة لأبي زرعة ٢٦١ ـ ٢٦٢، السبعة ٢٦٣، النشر ٢/٢٦٠..
١٨ ينظر: ينظر: الدر المصون ٣/١٢٦، البحر المحيط ٤/١٨٦، إتحاف فضلاء البشر ٢/٢٢ ـ ٢٣، الحجة لأبي زرعة ٢٦١ ـ ٢٦٢، السبعة ٢٦٣، النشر ٢/٢٦٠، التبيان ١/٥٢٢، الزجاج ٢/٣٠٠، الفراء ١/٣٤٥، المشكل ١/٢٦٢ ـ ٢٦٣، المستدرك ٢/٢٣٨ الحجة ٢٦٣..
١٩ ينظر: الفخر الرازي ١٣/٧٢..
٢٠ سقط في أ..
٢١ ينظر: البحر المحيط ٤/١٨٦..
٢٢ ينظر: الإملاء ١/٢٥٤..
٢٣ ينظر: البحر المحيط ٤/١٨٦..
٢٤ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٢٥..
٢٥ ينظر: البحر المحيط ٤/١٨٦..