البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
قلت :﴿كما خلقناكم﴾ : بدل من ﴿فُرَادى﴾، أو حال ثانية، و﴿لقد تقطع بينكم﴾ ؛ من قرأ بالرفع، فهو فاعل، أي : تقطع وصلُكم، ومن قرأ بالنصب، فظرف، على إضمار الفاعل، أي : تقطع الاتصال بينكم، أو على حذف الموصول ؛ لقد تقطع ما بينكم.
يقول الحق سبحانه لهم :﴿ولقد جئتمونا﴾ للحساب والجزاء، ﴿فُرادى﴾. متفرَّدين عن الأعوان والأوثان، أو عن الأموال والأولاد، وهذا أولى بقوله :﴿كما خلقناكم أول مرة﴾ أي : على الهيئة التي وُلدتم عليها من الانفراد والتجريد حفُاة عُراة غُرلاً(١) ﴿وتركتم ما خولناكم﴾ أي : تفضَّلنا به عليكم من الدنيا فشُغلتم به عن الآخرة، ﴿وراء ظهوركم﴾، فلم تقدموا منه شيئًا، ولم تحملوا معكم منه نقيرًا، ﴿وما نرى معكم شفعاءكم﴾ أي : أصنامكم ﴿الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء﴾ أي : أنهم شركاء مع الله في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم، ﴿لقد تقطَّع بينكم﴾ أي : تفرَّق وصلُكم وتشتت شملكم، ﴿وضَلَّ﴾ أي : غاب ﴿عنكم ما كنتم تزعمون﴾ أنهم شفعاؤكم، أو لا بعث ولا حساب الظهور كذبكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : كل من ادعى حالاً أو مقامًا، يعلم من نفسه أنه لم يُدركه ولم يتحقق به، فالآية تَجُرُّ ذيلَها عليه. وفي قوله :﴿ولقد جِئتُمُونَا فرادى...﴾ الخ، إشارة إلى أن الدخول على الله والوصول إلى حضرته، لا يكون إلا بعد قطع الطلاق والعوائق والشواغل كلها، وتحقيق التجريد ظاهرًا وباطنًا ؛ إذًا لا تتحقق الفردانية إلا بهذا.
وقال الورتجبي : ولي هنا لطيفةٌ أخرى، أي : ولقد جئتمونا موحدِّين بوحدانيتي، شاهدين بشهادتي، بوصف الكشف والخطاب، كما جئتمونا من العدَم في بدء الأمر، حين عَرَّفتُكم نفسي بقولي :﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعرَاف: ١٧٢] بلا إشارة التشبيه وغلط التعطيل، كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وسلم :" كُلُّ مَولُد يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ " (٢)، يعني : على فطرة الأزل بلزوم سمة العبودية بلا علة الاكتساب، عند سبق الإرادة. انتهى. قلت : وحاصل كلامه، أن مجيئهم فُرادى، كناية عن دخولهم الحضرة القدسية بعد تقديس الأرواح وتطهيرها، حتى رجعت لأهلها، كما خلقها أول مرة، أعني : مقدسة من شواهد الحس، مُطهرة من لُوثِ الأغيار، على فطرة الأزل، فشبه مجيئها الثاني بعد التطهير ببروزها الأول، حين كانت على أصل التطهير، كأنه قال : ولقد جئتمونا فرادى من الحس وشهود الغير كما خلقناكم كذلك في أول الأمر. والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى :﴿وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم﴾ أي : من العلوم الرسمية، والطاعات البدنية والكرامات الحسية، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي العارف : كنت أعرف أربعة عشر عِلمًا، فلما علمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله، فلم يبق لي إلا التفسير والحديث والمنطق. هـ. وقوله تعالى :﴿وما نرى معكم شفعاءكم﴾ إشارة إلى أنهم دخلوا من باب الكرم لا من باب العمل. والله تعالى أعلم.
الإشارة : كل من ادعى حالاً أو مقامًا، يعلم من نفسه أنه لم يُدركه ولم يتحقق به، فالآية تَجُرُّ ذيلَها عليه. وفي قوله :﴿ولقد جِئتُمُونَا فرادى...﴾ الخ، إشارة إلى أن الدخول على الله والوصول إلى حضرته، لا يكون إلا بعد قطع الطلاق والعوائق والشواغل كلها، وتحقيق التجريد ظاهرًا وباطنًا ؛ إذًا لا تتحقق الفردانية إلا بهذا.
وقال الورتجبي : ولي هنا لطيفةٌ أخرى، أي : ولقد جئتمونا موحدِّين بوحدانيتي، شاهدين بشهادتي، بوصف الكشف والخطاب، كما جئتمونا من العدَم في بدء الأمر، حين عَرَّفتُكم نفسي بقولي :﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعرَاف: ١٧٢] بلا إشارة التشبيه وغلط التعطيل، كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وسلم :" كُلُّ مَولُد يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ " (٢)، يعني : على فطرة الأزل بلزوم سمة العبودية بلا علة الاكتساب، عند سبق الإرادة. انتهى. قلت : وحاصل كلامه، أن مجيئهم فُرادى، كناية عن دخولهم الحضرة القدسية بعد تقديس الأرواح وتطهيرها، حتى رجعت لأهلها، كما خلقها أول مرة، أعني : مقدسة من شواهد الحس، مُطهرة من لُوثِ الأغيار، على فطرة الأزل، فشبه مجيئها الثاني بعد التطهير ببروزها الأول، حين كانت على أصل التطهير، كأنه قال : ولقد جئتمونا فرادى من الحس وشهود الغير كما خلقناكم كذلك في أول الأمر. والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى :﴿وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم﴾ أي : من العلوم الرسمية، والطاعات البدنية والكرامات الحسية، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي العارف : كنت أعرف أربعة عشر عِلمًا، فلما علمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله، فلم يبق لي إلا التفسير والحديث والمنطق. هـ. وقوله تعالى :﴿وما نرى معكم شفعاءكم﴾ إشارة إلى أنهم دخلوا من باب الكرم لا من باب العمل. والله تعالى أعلم.
يقول الحق سبحانه لهم :﴿ولقد جئتمونا﴾ للحساب والجزاء، ﴿فُرادى﴾. متفرَّدين عن الأعوان والأوثان، أو عن الأموال والأولاد، وهذا أولى بقوله :﴿كما خلقناكم أول مرة﴾ أي : على الهيئة التي وُلدتم عليها من الانفراد والتجريد حفُاة عُراة غُرلاً(١) ﴿وتركتم ما خولناكم﴾ أي : تفضَّلنا به عليكم من الدنيا فشُغلتم به عن الآخرة، ﴿وراء ظهوركم﴾، فلم تقدموا منه شيئًا، ولم تحملوا معكم منه نقيرًا، ﴿وما نرى معكم شفعاءكم﴾ أي : أصنامكم ﴿الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء﴾ أي : أنهم شركاء مع الله في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم، ﴿لقد تقطَّع بينكم﴾ أي : تفرَّق وصلُكم وتشتت شملكم، ﴿وضَلَّ﴾ أي : غاب ﴿عنكم ما كنتم تزعمون﴾ أنهم شفعاؤكم، أو لا بعث ولا حساب الظهور كذبكم.
وقال الورتجبي : ولي هنا لطيفةٌ أخرى، أي : ولقد جئتمونا موحدِّين بوحدانيتي، شاهدين بشهادتي، بوصف الكشف والخطاب، كما جئتمونا من العدَم في بدء الأمر، حين عَرَّفتُكم نفسي بقولي :﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعرَاف: ١٧٢] بلا إشارة التشبيه وغلط التعطيل، كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وسلم :" كُلُّ مَولُد يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ " (٢)، يعني : على فطرة الأزل بلزوم سمة العبودية بلا علة الاكتساب، عند سبق الإرادة. انتهى. قلت : وحاصل كلامه، أن مجيئهم فُرادى، كناية عن دخولهم الحضرة القدسية بعد تقديس الأرواح وتطهيرها، حتى رجعت لأهلها، كما خلقها أول مرة، أعني : مقدسة من شواهد الحس، مُطهرة من لُوثِ الأغيار، على فطرة الأزل، فشبه مجيئها الثاني بعد التطهير ببروزها الأول، حين كانت على أصل التطهير، كأنه قال : ولقد جئتمونا فرادى من الحس وشهود الغير كما خلقناكم كذلك في أول الأمر. والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى :﴿وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم﴾ أي : من العلوم الرسمية، والطاعات البدنية والكرامات الحسية، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي العارف : كنت أعرف أربعة عشر عِلمًا، فلما علمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله، فلم يبق لي إلا التفسير والحديث والمنطق. هـ. وقوله تعالى :﴿وما نرى معكم شفعاءكم﴾ إشارة إلى أنهم دخلوا من باب الكرم لا من باب العمل. والله تعالى أعلم.
١ غرلا: أي غير مختونين..
الإشارة : كل من ادعى حالاً أو مقامًا، يعلم من نفسه أنه لم يُدركه ولم يتحقق به، فالآية تَجُرُّ ذيلَها عليه. وفي قوله :﴿ولقد جِئتُمُونَا فرادى...﴾ الخ، إشارة إلى أن الدخول على الله والوصول إلى حضرته، لا يكون إلا بعد قطع الطلاق والعوائق والشواغل كلها، وتحقيق التجريد ظاهرًا وباطنًا ؛ إذًا لا تتحقق الفردانية إلا بهذا.
وقال الورتجبي : ولي هنا لطيفةٌ أخرى، أي : ولقد جئتمونا موحدِّين بوحدانيتي، شاهدين بشهادتي، بوصف الكشف والخطاب، كما جئتمونا من العدَم في بدء الأمر، حين عَرَّفتُكم نفسي بقولي :﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعرَاف: ١٧٢] بلا إشارة التشبيه وغلط التعطيل، كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وسلم :" كُلُّ مَولُد يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ " (٢)، يعني : على فطرة الأزل بلزوم سمة العبودية بلا علة الاكتساب، عند سبق الإرادة. انتهى. قلت : وحاصل كلامه، أن مجيئهم فُرادى، كناية عن دخولهم الحضرة القدسية بعد تقديس الأرواح وتطهيرها، حتى رجعت لأهلها، كما خلقها أول مرة، أعني : مقدسة من شواهد الحس، مُطهرة من لُوثِ الأغيار، على فطرة الأزل، فشبه مجيئها الثاني بعد التطهير ببروزها الأول، حين كانت على أصل التطهير، كأنه قال : ولقد جئتمونا فرادى من الحس وشهود الغير كما خلقناكم كذلك في أول الأمر. والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى :﴿وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم﴾ أي : من العلوم الرسمية، والطاعات البدنية والكرامات الحسية، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي العارف : كنت أعرف أربعة عشر عِلمًا، فلما علمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله، فلم يبق لي إلا التفسير والحديث والمنطق. هـ. وقوله تعالى :﴿وما نرى معكم شفعاءكم﴾ إشارة إلى أنهم دخلوا من باب الكرم لا من باب العمل. والله تعالى أعلم.