اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ الآية. قال بعض أهل العلم(١) «إنَّ » ههنا بمعنى ( إلا ) أي : إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى(٢).
قال ابن الخطيب : قد بينا فساد هذا القول، وذكرنا(٣) أنَّ سؤال ابن الزبعرى لم يكن وارداً(٤)، فلم يبق إلا أحد أمرين :
الأول : أن يقال : إنَّ عادة الله تعالى أنه متى شرح عقاب الكفار أردفه بشرح ثواب الأبرار، فلهذا ذكر هذه الآية عقيب تلك الآية فهي عامة في حق كل المؤمنين.
الثاني : أن هذه الآية نزلت في تلك الواقعة لتكون كالتأكيد في دفع سؤال ابن الزبعرى ثم قال : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا هو الحق، أجراها على عمومها، فتكون الملائكة والمسيح وعزير - عليهم السلام-(٥) داخلين فيها، لا أنّ الآية مختصة بهم. ومَنْ قال العبرة بخصوص السبب خصص قوله :﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ بهؤلاء فقط(٦).
قوله :﴿مِنَّا﴾ يجوز أن يتعلق ب «سَبَقَتْ »، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «الحُسْنَى »(٧) قال الزمخشري :«الحُسْنَى » الخصلة(٨) المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن وهي إما السعادة، وإما البشرى بالثواب، وإما التوفيق للطاعة(٩) ثم شرح أحوال ثوابهم(١٠) فقال :﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. قال أهل العفو معناه : أولئك عنها مخرجون، واحتجوا بوجهين :
الأول : قوله ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾(١١) أثبت الورود، والورود الدخول، فدل على أن هذا الإبعاد هو الإخراج.
والثاني : أن إبعاد الشيء لا يصح إلا إذا كانا متقاربين لأنهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر، لأنّ تحصيل الحاصل محال.
وقال المعتزلة :﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة. واحتج القاضي عبد الجبار على فساد الأول بأمور :
أحدها : أنَّ قوله تعالى :﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ يقتضي أنّ الوعد بثوابهم قد تقدم في الدنيا، وليس هذا(١٢) حال من يخرج من النار.
وثانيها : أنه تعالى قال :﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ فكيف يدخل في لك من وقع فيها.
وثالثها : قوله :﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ وقوله :﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر﴾ يمنع من ذلك. والجواب عن الأول لا نسلم أنّ المراد من قوله ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ هو أن الوعد بثوابهم قد تقدم، ولم لم يجوز أن يكون المراد من «الحُسْنَى » تقدم الوعد بالثواب، ( لكن لم قلتم إن الوعد بالثواب لا )(١٣) يليق بحال من يخرج من النار فإن عنده المحابطة(١٤) باطلة، ويجوز الجميع بين استحقاق الثواب والعقاب. وعن(١٥) الثاني : أنا بينا أنّ قوله :﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ لا يمكن إجراؤه على ظاهره إلا في حق من كان في النار. وعن الثالث : أن قوله :﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ مخصوص بما(١٦) بعد الخروج(١٧).
وعلى قول المعتزلة بأن المراد بقوله :﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أنهم لا يدخلون النار ولا يقربونها، يبطل القول بأن جميع الناس يردون النار، ثم يخرجون إلى الجنة، فيجب التوفيق بينه وبين قوله :﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾(١٨) وقد تقدم(١٩).
قوله :﴿وَهُمْ فِي مَا اشتهت﴾ إلى قوله : وَيَتَلَقاهُم(٢٠) كل جملة من هذه الجمل يحتمل أن تكون حالاً مما قبلها، وأن تكون مستأنفة، وكذلك الجملة المضمرة من القول العامل في جملة قوله :﴿هذا يَوْمُكُمُ﴾ إذ التقدير : وتتلقاهم الملائكة يقولون هذا يومكم.
١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٢٦..
٢ قال القرطبي: (فمعنى الكلام الاستثناء، ولهذا قال بعض أهل العلم: "إن" هنا بمعنى (إلا) وليس في القرآن غيره) تفسير القرطبي ١١/٣٤٥..
٣ في ب: وذكر..
٤ انظر ما سبق قريبا..
٥ في ب: عليهم الصلاة والسلام..
٦ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢٢٦..
٧ انظر التبيان ٢/٩٢٨..
٨ في ب: الخصلة الحسنى..
٩ الكشاف ٣/٢١..
١٠ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٢٦..
١١ من قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ [مريم: ٧١]..
١٢ في الأصل: هذه. وهو تحريف..
١٣ ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي..
١٤ في الأصل: المخاطبة. وهو تحريف..
١٥ في ب: وعلى.
١٦ بما: سقط من ب..
١٧ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢٢٦.
.

١٨ [مريم: ٧١]..
١٩ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٢٧..
٢٠ قال الله تعالى: ﴿وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة﴾..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى