غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
والذكر أم الكتاب يعني اللوح ففيه كتابة كل ما سيكون اعتباراً للملائكة، وكتب الأنبياء كلهم منتسخة منه، وعن قتادة أن الزبور هو القرآن، والذكر هو التوراة. وعن الشعبي أن الزبور هو كتاب داود عليه السلام والذكر التوراة. وجوز الإمام فخر الدين أن يراد بالذكر العلم أي كتبنا فيه بعد أن كنا عالمين غير ساهين. والمراد تحقيق وقوع المكتوب فيه، والأرض أرض الجنة، والعباد الصالحون هم المؤمنون العالمون بما يجب عليهم نظيره قوله ﴿وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين﴾ [الزمر: ٧٤] قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والسدي وأبو العالية. وإنما ذهبوا إلى هذا القول لأن أرض الدنيا تعم الصالح وغير الصالح، ولأن الآية وردت بعد ذكر الإعادة. وعن ابن عباس أيضاً في رواية الكلبي أنها أرض الدنيا يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكفار نظيره ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفكم في الأرض﴾ [النور: ٥٥] وقيل : الأرض المقدسة يرثها أمة محمد ﷺ عند نزول عيسى ابن مريم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿إن هذه أمتكم﴾ فيه إشارة إلى أن السالك إذا عبر المقامات التي ذكرنا تصير متفرقات شمله مجتمعة في الفناء بالله والبقاء به، فيكون أمة واحدة في ذاته كما أن إبراهيم كان أمة فيعرفه الله نفسه ويقول ﴿أنا ربكم﴾ الذي بلغتكم هذه الرتبة ﴿فاعبدون﴾ أي فاعرفون ﴿وتقطعوا أمرهم﴾ فمنهم من سكن إلى الدنيا، ومنهم من سكن إلى الجنة، ومنهم من فر إلى الله ﴿كل إلينا راجعون﴾ أما طالب الدنيا فيرجع إلى صورة قهرنا وهي جهنم، وأما طالب الآخرة فيرجع إلى صورة رحمتنا وهي الجنة، وأما الذي يطلبنا فإنه يرجع إلينا بالحقيقة ﴿وإنا له كاتبون﴾ في الأزل من أهل السعادة ﴿حتى إذا فتح﴾ سد ﴿يأجوج﴾ النفس و ﴿مأجوج﴾ الهوى، والسد أحكام الشريعة وفتحها مخالفاتها وموافقات الطبع وهم أعني دواعي النفس من كل معدن شهوة من الحواس الظاهرة والباطنة ﴿ينسلون﴾ فيفسدون ما يمرون عليه من القلب والسر والروح ﴿واقترب الوعد﴾ إهلاك القلوب الغافلة ﴿فإذا هي شاخصة أبصار﴾ بصائرها بالانهماك في الأهواء ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ العناية الأزلية ﴿لا يسمعون حسيسها﴾ أعني مقالات أهل البدع والأهواء ﴿وهم فيما اشتهت أنفسهم﴾ المطمئنة المجذوبة بجذبة ﴿ارجعي﴾ في مقامات السير في الله ﴿خالدون﴾ الفزع الأكبر قوله في الأزل " هؤلاء في النار ولا أبالي " ﴿يوم نطوي﴾ سماء وجود الإنسان بتجلي صفات الجلال في إفناء مراتب الوجود من الانتهاء إلى الابتداء وذلك قوله ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾ يعني أن الرجوع يكون بالتدريج كما أن البدء كان بالتدريج خلق النطفة علقة ثم خلق العلقة مضغة ثم خلق المضغة عظاماً ثم كسا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر.
ففي الإعادة يجب أن يمر السالك من الإحساس على الحيوانية ثم النباتية ثم المعدنية ثم البسائط العنصرية ثم الملكوتية ثم الروحانية ثم إلى صفات الربوبية بجذبة ﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿ولقد كتبنا في الزبور﴾ أي في أم الكتاب ﴿من بعد الذكر﴾ أي بعد أن قلنا للقلم أكتب نظيره ﴿كن فيكون﴾ [يس: ٨٢] أن أرض جنة الوجود الحقيقي ﴿يرثها عبادي الصالحون﴾ وهم الذين طويت سماء وجودهم المجازي. فالوجود المجازي لكونه غير ثابت ولا مستقر كالسماء، ولوجود الحقيقي لكونه ثابتاً ومستقراً على حالة واحدة كالأرض ﴿لقوم عابدين﴾ عارفين. ﴿وما أرسلناك﴾ من كتم العدم ﴿إلا رحمة للعالمين﴾ فلولاك لما خلقت الأفلاك " أول ما خلق الله روحي " ولولا الأزل لم تنته الهوية إلى الآخر والله أعلم.
ففي الإعادة يجب أن يمر السالك من الإحساس على الحيوانية ثم النباتية ثم المعدنية ثم البسائط العنصرية ثم الملكوتية ثم الروحانية ثم إلى صفات الربوبية بجذبة ﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿ولقد كتبنا في الزبور﴾ أي في أم الكتاب ﴿من بعد الذكر﴾ أي بعد أن قلنا للقلم أكتب نظيره ﴿كن فيكون﴾ [يس: ٨٢] أن أرض جنة الوجود الحقيقي ﴿يرثها عبادي الصالحون﴾ وهم الذين طويت سماء وجودهم المجازي. فالوجود المجازي لكونه غير ثابت ولا مستقر كالسماء، ولوجود الحقيقي لكونه ثابتاً ومستقراً على حالة واحدة كالأرض ﴿لقوم عابدين﴾ عارفين. ﴿وما أرسلناك﴾ من كتم العدم ﴿إلا رحمة للعالمين﴾ فلولاك لما خلقت الأفلاك " أول ما خلق الله روحي " ولولا الأزل لم تنته الهوية إلى الآخر والله أعلم.