الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ : يجوز فيه وجهان، أحدُهما : أنه معطوفٌ على " مَنْ " الأولى. أخبرَ تعالى عن مَنْ في السماوات والأرض، وعن مَنْ عنده بأنَّ الكلَّ له في مِلْكِه، وعلى هذا فيكون من باب ذِكْرِ الخاصِّ بعد العام مَنْبَهَةً على شرفه. لأنَّ قولَه :﴿مَن فِي السَّمَاوَاتِ﴾ شَمَل مَنْ عنده، وقد مَرَّ نظيرُه في قولِه :﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقوله :﴿لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ على هذا فيه أوجهٌ، أحدُها : أنه حال/ مِنْ " مَنْ " الأولى أو الثانية أو منهما معاً. وقال أبو البقاء :" حالٌ : إمَّا مِن الأولى أو الثانيةِ على قولِ مَنْ رَفَع بالظرف " يعني أنَّه إذا جَعَلْنا " مَنْ " في قولِه ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مرفوعاً بالفاعليةِ، والرافعُ الظرفُ ؛ وذلك على رأي الأخفش، جاز أَنْ يكونَ " لا يَسْتبكرون " حالاً : إمَّا مِنْ " مَنْ " الأولى، وإمَّا مِن الثانية ؛ لأن الفاعلَ يجيءُ منه الحالُ. ومفهومُه أنَّا إذا جَعَلْنا مبتدأً لا يجيءُ " يستكبرون " حالاً، وكأنه يرى أنَّ الحالَ لا تجيءُ من المبتدأ، وهو رأيٌ لبعضِهم. وفي المسألةِ كلامٌ مقررٌ في غيرِ هذا الموضوعِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ " لا يستكبرون " حالاً من الضميرِ المستكنِّ في " عندَه " الواقعِ صلةً، وأن يكونَ حالاً من الضميرِ المستكنِّ في " له " الواقع خبراً.
والوجهُ الثاني من وجهَيْ " مَنْ " : أن تكونَ مبتدأً، و " لا يستكبرون " خبرُه، وهذه جملةٌ معطوفةٌ على جملةٍ قبلَها. وهل الجملةُ مِنْ قوله ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ﴾ استئنافيةٌ أو معادِلَةٌ لجملة قولِه :﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ أي : لكم الوَيْلُ، ولله تعالى جميعُ العالَمِ عُلْوِيِّه وسُفْلِيِّه ؟ والأولُ أظهرُ.
ولا يَسْتَحْسِرون أي : لا يَكِلُّون ولا يَتْبعون. يقال : اسْتَحْسر البعيرُ أي كَلَّ وتَعِب. قال : علقمة بن عبدة :
ويقال : حَسَر البعيرُ، وحَسَرْته أنا، فيكون لازماً ومتعدياً. وأَحْسَرْتُه أيضاً. فيكون فَعَل وأفْعَلَ بمعنىً في أحدِ وجهَيْ فَعَل. قال الزمخشري :" الاستحسارُ مبالغةٌ في الحُسورِ. فكان الأبلغُ في وصفِهم أَنْ ينفيَ عنهم أَدْنى الحُسورِ. قلت : في الاستحسارِ بيانُ أنَّ ما هُمْ فيه يوجب غايةَ الحُسور وأقصاه، وأنَّهم أَحِقَّاءُ لتلك العباداتِ الباهظة بأَنْ يَسْتَحْسِروا فيما يَفْعلون " وهو سؤالٌ حسنٌ وجوابٌ مطابق.
والوجهُ الثاني من وجهَيْ " مَنْ " : أن تكونَ مبتدأً، و " لا يستكبرون " خبرُه، وهذه جملةٌ معطوفةٌ على جملةٍ قبلَها. وهل الجملةُ مِنْ قوله ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ﴾ استئنافيةٌ أو معادِلَةٌ لجملة قولِه :﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ أي : لكم الوَيْلُ، ولله تعالى جميعُ العالَمِ عُلْوِيِّه وسُفْلِيِّه ؟ والأولُ أظهرُ.
ولا يَسْتَحْسِرون أي : لا يَكِلُّون ولا يَتْبعون. يقال : اسْتَحْسر البعيرُ أي كَلَّ وتَعِب. قال : علقمة بن عبدة :
| بها جِيَفُ الحَسْرى فأمَّا عِظامُها | فبِيْضٌ وأمَّا جِلْدُها فصَلِيْبُ |