غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
ثم عدل في أدلة التوحيد إلى منهج آخر من البيان وهو الاستدلال بالآفاق والأنفس قائلاً ﴿أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض﴾ أي جماعة السموات وجماعة الأرض ﴿كانتا رتقاً ففتقناهما﴾ الرتق بالسكون السد. رتقت الشيء فارتتق أي التأم ومنه امرأة رتقاء ومصدرها الرتق بالتحريك، والفتقاء ضدها أي كانتا مرتوقتين فجعلناهما مفتوقتين. عن ابن عباس في رواية عكرمة وهو قول الحسن، وقتادة أن المراد كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض. ومثله قول كعب : خلق الله السموات والأرض ملتصقتين، ثم خلق ريحاً توسطتهما فحصل الفتق، وقال أبو صالح ومجاهد : كانت السموات متلاصقات لا فرج بينها ففتقها الله بأن جعلها سبعاً وكذلك الأرضون. وعن ابن عباس في رواية أخرى وعليه كثير من المفسرين، أن السموات والأرض كانتا رتقاً بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر. ويشبه أن يراد بالسموات على هذا التفسير السحب نظيره قوله ﴿والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع﴾ [الطارق: ١١١٢] ويؤيده قوله عقيبه :﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ وقيل : إنهما جمع السموات وإن كان نزول المطر من السماء الدنيا فقط باعتبار الجهة لأن جهتها هي جهتهن، أو باعتبار أن كل قطعة منها سماء فيكون كقولهم " ثوب أخلاق " " وبرمة أعشار " وقريب من هذا قول من قال : المعنى أن السموات والأرض كانتا مظلمتين ففتقهما الله تعالى بإظهار النور فيهما كقوله ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ [يس: ٣٧] وقال أبو مسلم الأصفهاني : الرتق حالة العدم إذ ليس فيها ذوات متميزة فكأنها أمر واحد متصل متشابه، والفتق الإِيجاد لحصول التمييز وانفصال بعض الحقائق عن البعض فيكون كقوله ﴿فاطر السموات والأرض﴾ [الأنعام: ١٤] والفطر الشق. وعن بعض علماء الإسلام أن الرتق انطباق منطقتي الحركتين الأولى والثانية الموجب لبطلان العمارات وفصول السنة، والفتق افتراقهما المقتضي لإمكان العمارة ولتغير الفصول وفيه بعد. وههنا سؤال : وهو أن الكفار متى رأوهما رتقاً حتى صح هذا الاستفهام للتقرير ؟ كيف وقد قال الله تعالى ﴿ما أشهدتهم خلق السموات والأرض﴾ ؟ [الكهف: ٥١] والجواب على الأقوال الأخيرة ظاهر فإن فتق السماء بالمطر والأرض بالنبات أو فتقهما بتنفيذ النور فيهما وإظهاره عليهما أمور محسوسة، وكذا إدخالهما من العدم إلى الوجود مما يشهد به الحس السليم والعقل المستقيم. وأما على القولين الأولين فلعلهم علموا ذلك من أهل الكتاب وكانوا يقبلون قولهم لما بينهما من التوافق في عداوة النبي ﷺ. وقال صاحب الكشاف في الجواب : إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه فقام مقام المرئي المشاهد، أو أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل فلا بد للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم سبحانه. قوله ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ قال السكاكي صاحب المفتاح : أي جعلنا مبدأ كل حي من هذا الجنس الذي هو جنس الماء. واعترض عليه بأنه كيف يصح ذلك وآدم من تراب والجن من نار والمشهور أن الملائكة ليست أجساماً مائية ؟ وأجاب بأنه يأتي في الروايات أنه جل وعز خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه. وقال صاحب الكشاف : إنما قال خلقنا كل شيء حي من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله ﴿خلق الإنسان من علق﴾ وجوز أن لا يكون الجعل بمعنى الخلق بل يكون بمعنى التصيير متعدياً إلى مفعولين، فالمعنى صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه. وقال في التفسير الكبير : اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة قائمة فإن الدليل لا بد أن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، فبهذا الطريق تخرج الملائكة والجن وآدم لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك : قلت : فعلى هذا يكون قوله ﴿وجعلنا﴾ داخلاً في حيز الاستفهام كأنه قيل : ألم يروا أنا فتقنا السموات والأرض بعد رتقهما وجعلنا من الماء كل حيوان. ومن المفسرين من جعل الحي شاملاً للنبات أيضاً كقوله ﴿فأحيا به الأرض بعد موتها﴾ [الجاثية: ٥].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿أم اتخذوا آلهة﴾ من ارض البشرية ثم هم يحيون القلوب الميتة بل الله يحييها بنور ذكره وطاعته لو كان في سماء الروحانية وأرض البشرية ﴿آلهة إلا الله﴾ كالعقل والهوى ﴿لفسدتا﴾ كما فسد سماء أرواح الفلاسفة حين أثبتت عقولهم للواجب صفات لا تليق به، وفسد أرض بشرية الطبائعية حين زلت قدمهم عن استعمال قوانين الشريعة بمقتضى هوى الطبيعة ﴿لا يسأل عما يفعل﴾ لأن أفعاله تعالى صادرة عن الحكمة والقدرة ﴿وهم يسألون﴾ لأن أفعالهم منشؤها الظلومية والجهولية ﴿لا يسبقونه بالقول﴾ لأنه ليس فيهم ما يخالف داعية العقل وهو الطبع الذي يجذب صاحبه إلى السفل، ولهذا وصفهم بالإكرام ووصف بني آدم بالتكريم في قوله ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [الإسراء: ٧٠] ففي التكريم تكثير ليس في الإكرام والسبب أن أمر بني آدم أشكل وحالهم أصعب ﴿يعلم ما بين أيديهم﴾ من خجالة قولهم ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ [البقرة: ٣٠] ﴿وما خلفهم﴾ من الأمر بسجود آدم والاستغفار لمن في الأرض ﴿أو لم ير الذين كفروا﴾ يعني أنهم رأوها في عالم الأرواح لأنها خلقت قبل الأجساد بألفي عام، وفي رواية بأربعة ألاف سنة ﴿كانتا رتقاً﴾ أي كانت سموات الأرواح متعلقة بأرض القوالب ﴿ففتقناهما﴾ بالمفارقة وقطع التعلق ﴿وجعلنا من﴾ ماء حياة العلم ﴿كل شيء حي﴾ بالحياة الأبدية ﴿وجعلنا في الأرض﴾ أرض القالب ﴿رواسي﴾ هي هموم العلائق البدنية ﴿أن تميد بهم﴾ فلولاها لمالت كل نفس إلى عمالها وبطل الغرض من التكليف، ويمكن أن يكون الرواسي إشارة إلى الأبدال الذين هم أوتاد الأرض بهم يرزق ويمطر الناس ﴿فجاجاً سبلاً﴾ هي طرق الإرشاد والتسليك ﴿وجعلنا﴾ سماء القلب ﴿سقفاً محفوظاً﴾ من وساوس شياطين الإنس والجن ﴿وهو الذي خلق﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس المعرفة وقمر الإسلام ﴿كل في فلك يسبحون﴾ فأهل الإسلام في فلك الشريعة، وأهل الإيمان في فلك الطريقة، وأهل الولاية في فلك أطوار الحقيقة ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ أما النفس الحيوانية فلأن من خواصها أن تصير الغذاء من جنسها فلا جرم إذا عجز الغذاء عن التشبيه بها لعجز القوة الغاذية حل أجلها، وأما النفس الناطقة فلأن من خواصها أنها تصير من جنس غذائها وهو الكمالات العلمية والعملية التي هي فيوض ربانية يتجوهر الروح بجوهرها فيحصل له الفناء عن وجوده والبقاء بشهود ربه ﴿ونبلوكم﴾ بالمكروهات التي تسمونها شراً بالمحبوبات التي تحسبونها خيراً ﴿فتنة﴾ فربما كان الأمر عكس ما تصورتم ﴿وإلينا ترجعون﴾ اختياراً وقهراً ﴿وإذا رآك الذين كفروا﴾ فيه أن الأغيار لا ينظرون إلى الأخيار إلا بعين الإنكار ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ بالنسبة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما فإنها خلقت في ستة أيام وخمرت طينة آدم أربعين صباحاً مع أن فيها أنموذجاً من الكل واستعداداً لقبول الخلافة وقابلية تجلي الذات والصفات ومظهرية الكنز الخفي وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿سأريكم آياتي﴾ أي في مظاهر الآفاق ومرايا أنفسكم بالتدريج وبالتربية في كل طور ﴿فلا تستعجلون﴾ فإن حد الاستكمال من المهد إلى اللحد بل من الأزل إلى الأبد وهذا منطق الطير لا يفهمه إلا سليمان الوقت.
ويمكن أيضاً أن يقال : إن الروح الإنساني أول شيء تعلقت به القدرة وهذا معنى العجلة ﴿قل من يكلؤكم﴾ فيه أن ملوك الأرض لو حرسوهم ﴿بالليل والنهار﴾ من الخصوم والأعداء فمن لهم حتى يحفظونهم في ليل البشرية ونهار الروحانية من سطوات قهر الجلال الذي الرحمانية من صفاته كما أن الرحيمية من صفات الجمال، فلو وكلهم بالخذلان إلى ظلمة البشرية بقوا في الجهل، ولو وكلهم بالإضلال في نور المعقولات تاهوا في أودية الحيرة والحجب النورية، والمنع من الحجب الظلمانية والجهل البسيط أسرع من إزالة الجهل المركب ﴿بل متعنا هؤلاء﴾ الجهال ﴿وآباءهم﴾ الذين علموهم تلك المعقولات التي صارت حجباً نورية لهم حتى اغتروا بظاهر الحال وأنكروا المعاد والشريعة. ثم بين أن الحق يغلب على الباطل ألبتة فقال ﴿أو لم يروا أنا نأتي الأرض﴾ البشرية ﴿ونضع الموازين﴾ ميزان الفضل قد نصب في الأزل ﴿نحن قسمنا﴾ ﴿تلك الرسل فضلنا﴾ وميزان العدل ينصب في الأبد ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ فالأول كالبزرة والثاني كالثمرة.
ويمكن أيضاً أن يقال : إن الروح الإنساني أول شيء تعلقت به القدرة وهذا معنى العجلة ﴿قل من يكلؤكم﴾ فيه أن ملوك الأرض لو حرسوهم ﴿بالليل والنهار﴾ من الخصوم والأعداء فمن لهم حتى يحفظونهم في ليل البشرية ونهار الروحانية من سطوات قهر الجلال الذي الرحمانية من صفاته كما أن الرحيمية من صفات الجمال، فلو وكلهم بالخذلان إلى ظلمة البشرية بقوا في الجهل، ولو وكلهم بالإضلال في نور المعقولات تاهوا في أودية الحيرة والحجب النورية، والمنع من الحجب الظلمانية والجهل البسيط أسرع من إزالة الجهل المركب ﴿بل متعنا هؤلاء﴾ الجهال ﴿وآباءهم﴾ الذين علموهم تلك المعقولات التي صارت حجباً نورية لهم حتى اغتروا بظاهر الحال وأنكروا المعاد والشريعة. ثم بين أن الحق يغلب على الباطل ألبتة فقال ﴿أو لم يروا أنا نأتي الأرض﴾ البشرية ﴿ونضع الموازين﴾ ميزان الفضل قد نصب في الأزل ﴿نحن قسمنا﴾ ﴿تلك الرسل فضلنا﴾ وميزان العدل ينصب في الأبد ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ فالأول كالبزرة والثاني كالثمرة.