اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بالوحي﴾ أي : أخوفكم بالقرآن وقوله :«وَلا يَسْمَعُ » قرأ ابن عامر هنا «وَلاَ تُسْمِعُ » بضم التاء للخطاب وكسر الميم، «الصُّمَّ الدُّعَاءَ » منصوبين. وقرأ ابن كثير في النمل(١) والروم(٢). وقرأ باقي السبعة بفتح ياء الغيبة والميم «الصُّمُّ » بالرفع «الدُّعَاءَ » بالنصب في جميع القرآن(٣).
وقرأ الحسن كقراءة ابن عامر إلا أنه بياء الغيبة(٤). وروى عنه(٥) ابن خالويه «وَلاَ يُسْمَعُ » بياء الغيبة مبنياً للمفعول «الصُّمُّ »(٦) رفعاً «الدُّعَاءَ » نصباً(٧).
وروي عن أبي(٨) عمرو بن العلاء «وَلاَ يُسْمِعُ » بضم الياء من تحت وكسر الميم «الصُّمَّ »(٩) نصباً «الدُّعَاءُ » رفعاً(١٠).
فأما قراءة ابن عامر وابن كثير فالفاعل فيها ضمير المخاطب، وهو الرسول -عليه السلام-(١١). فانتصب «الصُّمَّ »(١٢) و «الدُّعَاءَ » على المفعولين، وأولهما هو الفاعل المعنوي(١٣). وأما قراءة الجماعة فالفعل مسند للصّمّ فانتصب «الدُّعَاءَ » مفعولاً به(١٤). وأما قراءة الحسن الأولى فأسند الفعل فيها إلى ضمير الرسول - ﷺ - وهي كقراءة ابن عامر في المعنى. وأما قراءته الثانية فأسند الفعل فيها إلى «الصُّم »(١٥) قائماً مقام الفاعل، فانتصب الثاني وهو «الدُّعَاءَ » وأما قراءة أي عمرو فإنه أسند الفعل فيها إلى الدعاء على سبيل الاتساع وحذف المفعول الثاني للعلم به، والتقدير : ولا يسمع الدعاء الصم شيئاً البتة(١٦) ولما وصل أبو البقاء إلى هنا قال :«وَلاَ يَسْمَعُ » فيه قراءات وجوهها ظاهرة(١٧) ولم يذكرها. و «إذَا » في ناصبه وجهان :
أحدهما : أنه «يَسْمَعُ ».
والثاني : أنه «الدّعاء » فأعمل المصدر المعرف ب ( أل )(١٨) وإذا(١٩) أعملوه في المفعول الصريح ففي الظرف أولى(٢٠).
قال الزمخشري : فإن قلت : الصم(٢١) لا يسمعون دعاء المبشّر كما لا يسمعون دعاء المنذر، فكيف قيل :﴿إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ ؟ قلت : اللاّم في «الصُّم » عائدة إلى هؤلاء المنذرين كائنة للعهد لا للجنس، والأصل : ولا يسمعون إذا ما ينذرون، فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامّهم وسدهم أسماعهم(٢٢) إذا أنذروا، أي أنتم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة على التصامّ عن(٢٣) الإنذار والآيات(٢٤).
١ وهو قوله تعالى: ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولّوا مدبرين﴾ [النمل: ٨٠]..
٢ وهو قوله تعالى: ﴿فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ [الروم: ٥٢]..
٣ السبعة (٤٢٩)، الكشف ٢/١١٠-١١١، النشر ٢/٣٢٣-٣٢٤، الإتحاف (٣١٠). وقراءة ابن كثير لآيتي النمل والروم ﴿ولا يسمع﴾ بالياء المفتوحة ﴿الصّم﴾ رفعا، وباقي السبعة ﴿ولا تسمع﴾ بضم التاء ﴿الصّم﴾ نصبا، وروى عباس عن أبي عمرو ﴿ولا يسمع الصم﴾ مثل ابن كثير. السبعة (٤٨٦، ٥٠٨) الكشف ٢/١٦٥..
٤ انظر البحر المحيط ٦/٣١٥..
٥ في الأصل: عن..
٦ في ب: الضم. وهو تحريف..
٧ المختصر (٩١)..
٨ في الأصل: ابن. وهو تحريف..
٩ وهو قوله تعالى: ﴿فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ [الروم: ٥٢]..
١٠ البحر المحيط ٦/٣١٥-٣١٦..
١١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٢ في ب: الضم. وهو تحريف..
١٣ لأنه جعل الفعل رباعيا من "أسمع" فتعدى إلى مفعولين والفاعل ضمير المخاطب وهو الرسول – ﷺ – لأنه لما أضيف الفعل إليه في "أنذركم" أضيف إليه في "تسمع". انظر الكشف ٢/١١٠-١١١، البحر المحيط ٦/٣١٥..
١٤ أضافوا الفعل إلى الصم فارتفعوا بفعلهم، لأنه نفى السمع عنهم، وتعدى الفعل إلى مفعول وهو "الدعاء" لأنه ثلاثي. انظر الكشف ٢/١١١..
١٥ في الأصل: الضم. وهو تحريف..
١٦ انظر البحر المحيط ٦/٣١٦..
١٧ التبيان ٢/٩١٩..
١٨ المرجع السابق..
١٩ في ب: وإذ..
٢٠ وإعمال المصدر المعرف بـ (أل) أجازه سيبويه وبعض البصريين. انظر شرح الأشموني ٢/٢٨٤-٢٨٥..
٢١ في ب: الضم. وهو تحريف..
٢٢ في ب: سماعهم..
٢٣ في الأصل: على..
٢٤ الكشاف ٣/١٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى