غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
قوله ﴿ونضع الموازين القسط﴾ المراد من الوضع الإحضار والقسط أي العدل صفة الموازين وإن كان موحداً كقولهم للقوم " إنهم عدل " قاله الفراء. وعن الزجاج أراد ذوات القسط. واللام في ﴿ليوم القيامة﴾ بمعنى الوقت كما يقال " جئت لتاريخ كذا ". وقيل : أراد لأجل الحساب يوم القيامة. وقد مر تحقيق الوزن وما يتعلق به من الأبحاث في أول سورة الأعراف. يروي أن داود عليه السلام سال ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه ثم أفاق فقال : يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات ؟ فقال : يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة.
وفي قوله ﴿فلا تظلم نفس شيئاً﴾ بحث بين المعتزلة والأشاعرة وقد مر مراراً ﴿وإن كان﴾ أي الوزن والعمل ﴿مثقال حبة من خردل أتينا بها﴾ أنت ضمير المثقال باعتبار إضافته إلى الحبة. قيل : الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال : حبة من خردل ؟ وأجيب بأن الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار، والظاهر أنه أراد الحبة من حيث اللغة. وقوله ﴿من خردل﴾ بيان لها لأن الحبة أعم من أن تكون من الخردل أو من الحنطة أو من غيرهما ولكن المبالغة في الأول أكثر، وذلك أن الخردلة سدس شعيرة وهي نصف سدس ثمن الدينار عند الحساب ونصف سدس سدسه في الشرع، والحبة ثمن تسع الدينار في عرف حساب فارس والعراق، فمثقال حبة من خردل يكون على الوجه الأول ثمن تسع خردلة، وعلى ما قلنا يكون هو الخردل بعينه. والحاصل أن شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع من علم الله وأنه يجازي عليه. رؤي الشبلي في المنام فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال :
قال في التفسير الكبير : زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل منحبط بالأكثر كما كان. والآية تبطل قوله لأن الله تعالى تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط، ولو كان الأمر كما قاله الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة. قلت : للجبائي أن يقول : الإتيان بالطاعة مشروط عندي بعدم الإحباط كما أن العقاب على المعصية مشروط عندكم بعدم العفو. ﴿وكفى بنا حاسبين﴾ كقوله ﴿وكفى بالله حسيباً﴾ [النساء: ٦].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿أم اتخذوا آلهة﴾ من ارض البشرية ثم هم يحيون القلوب الميتة بل الله يحييها بنور ذكره وطاعته لو كان في سماء الروحانية وأرض البشرية ﴿آلهة إلا الله﴾ كالعقل والهوى ﴿لفسدتا﴾ كما فسد سماء أرواح الفلاسفة حين أثبتت عقولهم للواجب صفات لا تليق به، وفسد أرض بشرية الطبائعية حين زلت قدمهم عن استعمال قوانين الشريعة بمقتضى هوى الطبيعة ﴿لا يسأل عما يفعل﴾ لأن أفعاله تعالى صادرة عن الحكمة والقدرة ﴿وهم يسألون﴾ لأن أفعالهم منشؤها الظلومية والجهولية ﴿لا يسبقونه بالقول﴾ لأنه ليس فيهم ما يخالف داعية العقل وهو الطبع الذي يجذب صاحبه إلى السفل، ولهذا وصفهم بالإكرام ووصف بني آدم بالتكريم في قوله ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [الإسراء: ٧٠] ففي التكريم تكثير ليس في الإكرام والسبب أن أمر بني آدم أشكل وحالهم أصعب ﴿يعلم ما بين أيديهم﴾ من خجالة قولهم ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ [البقرة: ٣٠] ﴿وما خلفهم﴾ من الأمر بسجود آدم والاستغفار لمن في الأرض ﴿أو لم ير الذين كفروا﴾ يعني أنهم رأوها في عالم الأرواح لأنها خلقت قبل الأجساد بألفي عام، وفي رواية بأربعة ألاف سنة ﴿كانتا رتقاً﴾ أي كانت سموات الأرواح متعلقة بأرض القوالب ﴿ففتقناهما﴾ بالمفارقة وقطع التعلق ﴿وجعلنا من﴾ ماء حياة العلم ﴿كل شيء حي﴾ بالحياة الأبدية ﴿وجعلنا في الأرض﴾ أرض القالب ﴿رواسي﴾ هي هموم العلائق البدنية ﴿أن تميد بهم﴾ فلولاها لمالت كل نفس إلى عمالها وبطل الغرض من التكليف، ويمكن أن يكون الرواسي إشارة إلى الأبدال الذين هم أوتاد الأرض بهم يرزق ويمطر الناس ﴿فجاجاً سبلاً﴾ هي طرق الإرشاد والتسليك ﴿وجعلنا﴾ سماء القلب ﴿سقفاً محفوظاً﴾ من وساوس شياطين الإنس والجن ﴿وهو الذي خلق﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس المعرفة وقمر الإسلام ﴿كل في فلك يسبحون﴾ فأهل الإسلام في فلك الشريعة، وأهل الإيمان في فلك الطريقة، وأهل الولاية في فلك أطوار الحقيقة ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ أما النفس الحيوانية فلأن من خواصها أن تصير الغذاء من جنسها فلا جرم إذا عجز الغذاء عن التشبيه بها لعجز القوة الغاذية حل أجلها، وأما النفس الناطقة فلأن من خواصها أنها تصير من جنس غذائها وهو الكمالات العلمية والعملية التي هي فيوض ربانية يتجوهر الروح بجوهرها فيحصل له الفناء عن وجوده والبقاء بشهود ربه ﴿ونبلوكم﴾ بالمكروهات التي تسمونها شراً بالمحبوبات التي تحسبونها خيراً ﴿فتنة﴾ فربما كان الأمر عكس ما تصورتم ﴿وإلينا ترجعون﴾ اختياراً وقهراً ﴿وإذا رآك الذين كفروا﴾ فيه أن الأغيار لا ينظرون إلى الأخيار إلا بعين الإنكار ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ بالنسبة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما فإنها خلقت في ستة أيام وخمرت طينة آدم أربعين صباحاً مع أن فيها أنموذجاً من الكل واستعداداً لقبول الخلافة وقابلية تجلي الذات والصفات ومظهرية الكنز الخفي وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿سأريكم آياتي﴾ أي في مظاهر الآفاق ومرايا أنفسكم بالتدريج وبالتربية في كل طور ﴿فلا تستعجلون﴾ فإن حد الاستكمال من المهد إلى اللحد بل من الأزل إلى الأبد وهذا منطق الطير لا يفهمه إلا سليمان الوقت.
ويمكن أيضاً أن يقال : إن الروح الإنساني أول شيء تعلقت به القدرة وهذا معنى العجلة ﴿قل من يكلؤكم﴾ فيه أن ملوك الأرض لو حرسوهم ﴿بالليل والنهار﴾ من الخصوم والأعداء فمن لهم حتى يحفظونهم في ليل البشرية ونهار الروحانية من سطوات قهر الجلال الذي الرحمانية من صفاته كما أن الرحيمية من صفات الجمال، فلو وكلهم بالخذلان إلى ظلمة البشرية بقوا في الجهل، ولو وكلهم بالإضلال في نور المعقولات تاهوا في أودية الحيرة والحجب النورية، والمنع من الحجب الظلمانية والجهل البسيط أسرع من إزالة الجهل المركب ﴿بل متعنا هؤلاء﴾ الجهال ﴿وآباءهم﴾ الذين علموهم تلك المعقولات التي صارت حجباً نورية لهم حتى اغتروا بظاهر الحال وأنكروا المعاد والشريعة. ثم بين أن الحق يغلب على الباطل ألبتة فقال ﴿أو لم يروا أنا نأتي الأرض﴾ البشرية ﴿ونضع الموازين﴾ ميزان الفضل قد نصب في الأزل ﴿نحن قسمنا﴾ ﴿تلك الرسل فضلنا﴾ وميزان العدل ينصب في الأبد ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ فالأول كالبزرة والثاني كالثمرة.
وفي قوله ﴿فلا تظلم نفس شيئاً﴾ بحث بين المعتزلة والأشاعرة وقد مر مراراً ﴿وإن كان﴾ أي الوزن والعمل ﴿مثقال حبة من خردل أتينا بها﴾ أنت ضمير المثقال باعتبار إضافته إلى الحبة. قيل : الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال : حبة من خردل ؟ وأجيب بأن الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار، والظاهر أنه أراد الحبة من حيث اللغة. وقوله ﴿من خردل﴾ بيان لها لأن الحبة أعم من أن تكون من الخردل أو من الحنطة أو من غيرهما ولكن المبالغة في الأول أكثر، وذلك أن الخردلة سدس شعيرة وهي نصف سدس ثمن الدينار عند الحساب ونصف سدس سدسه في الشرع، والحبة ثمن تسع الدينار في عرف حساب فارس والعراق، فمثقال حبة من خردل يكون على الوجه الأول ثمن تسع خردلة، وعلى ما قلنا يكون هو الخردل بعينه. والحاصل أن شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع من علم الله وأنه يجازي عليه. رؤي الشبلي في المنام فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال :
| حاسبوني فدققوا | ثم منوا فأعتقوا |
ويمكن أيضاً أن يقال : إن الروح الإنساني أول شيء تعلقت به القدرة وهذا معنى العجلة ﴿قل من يكلؤكم﴾ فيه أن ملوك الأرض لو حرسوهم ﴿بالليل والنهار﴾ من الخصوم والأعداء فمن لهم حتى يحفظونهم في ليل البشرية ونهار الروحانية من سطوات قهر الجلال الذي الرحمانية من صفاته كما أن الرحيمية من صفات الجمال، فلو وكلهم بالخذلان إلى ظلمة البشرية بقوا في الجهل، ولو وكلهم بالإضلال في نور المعقولات تاهوا في أودية الحيرة والحجب النورية، والمنع من الحجب الظلمانية والجهل البسيط أسرع من إزالة الجهل المركب ﴿بل متعنا هؤلاء﴾ الجهال ﴿وآباءهم﴾ الذين علموهم تلك المعقولات التي صارت حجباً نورية لهم حتى اغتروا بظاهر الحال وأنكروا المعاد والشريعة. ثم بين أن الحق يغلب على الباطل ألبتة فقال ﴿أو لم يروا أنا نأتي الأرض﴾ البشرية ﴿ونضع الموازين﴾ ميزان الفضل قد نصب في الأزل ﴿نحن قسمنا﴾ ﴿تلك الرسل فضلنا﴾ وميزان العدل ينصب في الأبد ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ فالأول كالبزرة والثاني كالثمرة.