اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ﴾ قرأ العامة :«نُكِسُوا » مبنياً للمفعول مخفف الكاف أي : نكسهم الله(١) أو خجلهم. و ﴿عَلَى رُؤُوسِهِم﴾ حال، أي : كائنين على رؤوسهم(٢). ويجوز أن يتعلق بنفس الفعل(٣). والنَّكْسُ والتَّنْكِيسُ : القلب، يقال : نَكَسَ رَأْسَهُ ونَكَّسَهُ مخففاً ومشدداً. أي : طأطأه حتى صار أعلاه أسفله(٤).
وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وابن الجارود(٥) وابن مقسم :«نُكِّسُوا » بالتشديد(٦) وقد تقدم أنه لغة في المخفف، فليس التشديد لتعدية ولا لتكثير.
وقرأ رضوان بن عبد المعبود(٧) :«نَكَسُوا » مخففاً مبنياً للفاعل(٨)، وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره : نكسوا أنفسهم على رؤوسهم.

فصل


قال المفسرون : أجرى اله الحق على ألسنتهم في القول الأول(٩) ثم أدركتهم الشقاوة فهو معنى قوله :﴿ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ﴾ أي : ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم(١٠). وقيل : قلبوا على رؤوسهم حقيقة بفرط إطراقهم خجلاً وانكساراً وانخزالاً مما بهتهم إبراهيم، فلما أحاروا جواباً إلا ما هو حجة لإبراهيم -عليه السلام-(١١) حين جادلهم- فقالوا :﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلاء يَنطِقُونَ﴾ فأقروا بهذه الحجة التي لحقتهم(١٢).
قوله :﴿مَا هؤلاء يَنطِقُونَ﴾ هذه الجملة جاب قسم محذوف، والقسم وجوابه معمولان لقول مضمر، وذلك القول المضمر حال من مرفوع «نُكِسُوا » أي : نكسوا قائلين : والله لقد علمت(١٣).
١ لفظ الجلالة سقط من الأصل..
٢ انظر التبيان ٢/٩٢٢..
٣ المرجع السابق..
٤ وفي اللسان (نكس): النّكس: قلب الشيء على رأسه، نكسه ينكسه نكسا فانتكس، ونكس رأسه: أماله، ونكّسته تنكيسا، وفي التنزيل: ﴿ناكسوا رؤوسهم عند ربهم﴾ [السجدة: ١٢]. والناكس: المطأطئ رأسه، ونكس رأسه إذا طأطأه من ذل. وقيل: النكس في الأشياء معنى يرجع إلى قلب الشيء ورده وجعل أعلاه أسفله ومقدمه مؤخره..
٥ تقدم..
٦ المختصر (٩٢)، البحر المحيط ٦/٣٢٥-٣٢٦..
٧ لم أقف له على ترجمة فيما رجعت إليه من مراجع..
٨ المختصر (٩٢)، البحر المحيط ٦/٣٢٥-٣٢٦..
٩ وهو قوله تعالى: ﴿فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون﴾ [الآية: ٦٤] من السورة نفسها..
١٠ انظر البغوي ٥/٤٩٦..
١١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٨٦..
١٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٣٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى