البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
النكس : قلب الشيء بحيث يصير أعلاه أسفل، ونكس رأسه بالتشديد والتخفيف طأطأ حتى صار أعلاه أسفل.
﴿ثم نكسوا على رؤوسهم﴾ أي ارتكبوا في ضلالهم وعلموا أن الأصنام لا تنطق فساءهم ذلك حين نبه على قيام الحجة عليهم وهي استعارة للذي يرتطم في غيه كأنه منكوس على رأسه وهي أقبح هيئة للإنسان، فكان عقله منكوس أي مقلوب لانقلاب شكله، وجعل أعلاه أسفله فرجوعهم إلى أنفسهم كناية عن استقامة فكرهم ونكسهم كناية عن مجادلتهم ومكابرتهم.
ويحتمل أن يكون ﴿نكسوا على رؤوسهم﴾ كناية عن تطأطىء رؤوسهم وتنكيسها إلى الأرض على سبيل الخجل والانكسار مما بهتهم به إبراهيم من قول الحق ودمغهم به فلم يطيقوا جواباً.
و ﴿لقد علمت﴾ جواب قسم محذوف معمول لقول محذوف في موضع الحال أي قائلين ﴿لقد علمت ما هؤلاء ينطقون﴾ فكيف تقول لنا ﴿فاسألوهم﴾ إنما قصدت بذلك توبيخاً ويحتمل أن يكون النكس للفكرة فيما يجيبون به.
وقال مجاهد ﴿نكسوا على رؤوسهم﴾ أي ردّت السفلة على الرؤساء و ﴿علمت﴾ هنا معلقة، والجملة المنفية في موضع مفعولي علمت إن تعدت إلى اثنين أو في موضع مفعول واحد إن تعدت لواحد.
وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وابن مقسم وابن الجارود والبكراوي كلاهما عن هشام بتشديد كاف ﴿نكّسوا﴾ وقرأ رضوان بن المعبود ﴿نكسوا﴾ بتخفيف الكاف مبنياً للفاعل أي نكسوا أنفسهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى