زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي
عن الكتاب
الإشارة إلى القصة
ذكر أهل التفسير أن رجلين كانا على عهد داود عليه السلام، أحدهما صاحب حرث، والأخر صاحب غنم، فتفلتت الغنم فوقعت في الحرث فلم تبق منه شيئا، فاختصما إلى داود، فقال لصاحب الحرث : لك رقاب الغنم، فقال سليمان : أو غير ذلك ؟ قال : ما هو ؟ قال : ينطلق أصحاب الحرث بالغنم فيصيبون من ألبانها ومنافعها، ويقبل أصحاب الغنم على الكرم، حتى إذا كان كليلة نفشت فيه الغنم، دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم، ودفع هؤلاء إلى هؤلاء كرمهم، فقال داود : قد أصبت القضاء، ثم حكم بذلك، فذلك قوله :﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَـاهِدِينَ﴾ وفي المشار إليهم قولان :
أحدهما : داود وسليمان، فذكرهما بلفظ الجمع، لأن الاثنين جمع، هذا قول الفراء.
والثاني : أنهم داود وسليمان والخصوم، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وابن أبي عبلة :" وكنا لحكمهما " على التثنية. ومعنى " شاهدين " : أنه لم يغب عنا من أمرهم شيء. ﴿فَفَهَّمْنَـاهَا سُلَيْمَـانَ﴾ يعني :
القضية والحكومة. وإنما كنى عنها، لأنه قد سبق ما يدل عليها من ذكر الحكم، ﴿وَكُلاًّ﴾ منهما ﴿آتينا حُكْماً﴾ وقد سبق بيانه. قال الحسن : لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة قد هلكوا، ولكنه أثنى على سليمان لصوابه، وعذر داود باجتهاده.فصل
قال أبو سليمان الدمشقي : كان قضاء داود وسليمان جميعا من طريق الاجتهاد، ولم يكن نصا، إذ لو كان نصا ما اختلفا. قال القاضي أبو يعلى : وقد اختلف الناس في الغنم إذا نفشت ليلاً في زرع رجل فأفسدته، فمذهب أصحابنا أن عليه الضمان، وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا ضمان عليه ليلاً ونهاراً، إلا أن يكون صاحبها هو الذي أرسلها، فظاهر الآية يدل على قول أصحابنا، لأن داود حكم بالضمان، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه. فإن قيل : فقد ثبت نسخ هذا الحكم، لأن داود حكم بدفع الغنم إلى صاحب الحرث، وحكم سليمان له بأولادها وأصوافها، ولا خلاف أنه لا يجب على من نفشت غنمه في حرث رجل شيء من ذلك ؛ قيل : الآية تضمنت أحكاما، منها وجوب الضمان وكيفيته، فالنسخ حصل على كيفيته، ولم يحصل على أصله، فوجب التعلق به، وقد روى حرام بن محيصة عن أبيه : أن ناقةً للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل.
قوله تعالى :﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاودُ الْجِبَالَ يُسَبّحْنَ﴾ تقدير الكلام : وسخرنا الجبال يسبحن مع داود. قال أبو هريرة : كان إذا سبح أجابته الجبال والطير بالتسبيح والذكر، وقال غيره : كان إذا وجد فترةً، أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق هو فيسبح.
قوله تعالى :﴿وَكُنَّا فَـاعِلِينَ﴾ أي : لذلك. قال الزجاج : المعنى : وكنا نقدر على ما نريده.
ذكر أهل التفسير أن رجلين كانا على عهد داود عليه السلام، أحدهما صاحب حرث، والأخر صاحب غنم، فتفلتت الغنم فوقعت في الحرث فلم تبق منه شيئا، فاختصما إلى داود، فقال لصاحب الحرث : لك رقاب الغنم، فقال سليمان : أو غير ذلك ؟ قال : ما هو ؟ قال : ينطلق أصحاب الحرث بالغنم فيصيبون من ألبانها ومنافعها، ويقبل أصحاب الغنم على الكرم، حتى إذا كان كليلة نفشت فيه الغنم، دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم، ودفع هؤلاء إلى هؤلاء كرمهم، فقال داود : قد أصبت القضاء، ثم حكم بذلك، فذلك قوله :﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَـاهِدِينَ﴾ وفي المشار إليهم قولان :
أحدهما : داود وسليمان، فذكرهما بلفظ الجمع، لأن الاثنين جمع، هذا قول الفراء.
والثاني : أنهم داود وسليمان والخصوم، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وابن أبي عبلة :" وكنا لحكمهما " على التثنية. ومعنى " شاهدين " : أنه لم يغب عنا من أمرهم شيء. ﴿فَفَهَّمْنَـاهَا سُلَيْمَـانَ﴾ يعني :
القضية والحكومة. وإنما كنى عنها، لأنه قد سبق ما يدل عليها من ذكر الحكم، ﴿وَكُلاًّ﴾ منهما ﴿آتينا حُكْماً﴾ وقد سبق بيانه. قال الحسن : لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة قد هلكوا، ولكنه أثنى على سليمان لصوابه، وعذر داود باجتهاده.
قال أبو سليمان الدمشقي : كان قضاء داود وسليمان جميعا من طريق الاجتهاد، ولم يكن نصا، إذ لو كان نصا ما اختلفا. قال القاضي أبو يعلى : وقد اختلف الناس في الغنم إذا نفشت ليلاً في زرع رجل فأفسدته، فمذهب أصحابنا أن عليه الضمان، وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا ضمان عليه ليلاً ونهاراً، إلا أن يكون صاحبها هو الذي أرسلها، فظاهر الآية يدل على قول أصحابنا، لأن داود حكم بالضمان، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه. فإن قيل : فقد ثبت نسخ هذا الحكم، لأن داود حكم بدفع الغنم إلى صاحب الحرث، وحكم سليمان له بأولادها وأصوافها، ولا خلاف أنه لا يجب على من نفشت غنمه في حرث رجل شيء من ذلك ؛ قيل : الآية تضمنت أحكاما، منها وجوب الضمان وكيفيته، فالنسخ حصل على كيفيته، ولم يحصل على أصله، فوجب التعلق به، وقد روى حرام بن محيصة عن أبيه : أن ناقةً للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل.
قوله تعالى :﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاودُ الْجِبَالَ يُسَبّحْنَ﴾ تقدير الكلام : وسخرنا الجبال يسبحن مع داود. قال أبو هريرة : كان إذا سبح أجابته الجبال والطير بالتسبيح والذكر، وقال غيره : كان إذا وجد فترةً، أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق هو فيسبح.
قوله تعالى :﴿وَكُنَّا فَـاعِلِينَ﴾ أي : لذلك. قال الزجاج : المعنى : وكنا نقدر على ما نريده.