التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ

عن الكتاب
﴿ففهمناها سليمان﴾ تخاصم إلى داود رجلان دخلت غنم أحدهما على زرع الآخر بالليل فأفسدته فقضى داود بأن يأخذ صاحب الزرع الغنم، ووجه هذا الحكم أن قيمة الزرع كانت مثل قيمة الغنم فخرج الرجلان على سليمان وهو بالباب، فأخبراه بما حكم به أبوه، فدخل عليه فقال يا نبي الله :
لو حكمت بغير هذا كان أرفق للجميع.
قال : وما هو ؟
قال : يأخذ صاحب الغنم الأرض يصلحها حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنم وينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا أكمل الزرع ردت الغنم إلى صاحبها، والأرض بزرعها إلى ربها.
فقال له داود : وفقت يا بني، وقضى بينهما بذلك، ووجه حكم سليمان أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الزرع، وواجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان، ويحتمل أن يكون ذلك إصلاحا لا حكما، واختلف الناس هل كان حكمهما بوحي أو اجتهاد فمن قال كان باجتهاد أجاز الاجتهاد للأنبياء.
وروي أن داود رجع عن حكمه لما تبين له أن الصواب خلافه، وقد اختلف في جواز الاجتهاد في حق الأنبياء، وعلى القول بالجواز اختلف، هل وقع أم لا ؟ وظاهر قوله :﴿ففهمناها سليمان﴾ : أنه كان باجتهاد فخص الله به سليمان ففهم القضية، ومن قال : كان بوحي جعل حكم سليمان ناسخا لحكم داود، وأما حكم إفساد المواشي الزرع في شرعنا، فقال مالك والشافعي : يضمن أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار للحديث الوارد في ذلك، وعلى هذا يدل حكم داود وسليمان، لأن النفش لا يكون إلا بالليل، وقال أبو حنيفة : لا يضمن ما أفسدت بالليل ولا بالنهار لقوله ﷺ :( العجماء جرحها جبار ).
﴿وكلا آتيناه حكما وعلما﴾ قيل : يعني في هذه النازلة، وأن داود لم يخطئ فيها، ولكنه رجع إلى ما هو أرجح، ويدل على هذا القول أن كل مجتهد مصيب، وقيل : بل يعني حكما وعلما في غير هذه النازلة، وعلى هذا القول : فإنه أخطأ فيها، وأن المصيب واحد من المجتهدين.
﴿وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير﴾ كان هذا التسبيح قول سبحان الله، وقيل : الصلاة معه إذا صلى، وقدم الجبال على الطير، لأن تسبيحها أغرب إذ هي جماد.
﴿وكنا فاعلين﴾ أي : قادرين على أن نفعل هذا، وقال ابن عطية : معناه كان ذلك في حقه لأجل أن داود استوجب ذلك مناصفة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى