الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب
عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿ففهمناها سليمان﴾ أي : ففهمنا القضية(١) سليمان دون داود، ﴿وكلا آتينا حكما وعلما﴾ أي : وكلهم، يعني داود وسليمان والرسل المذكورين في هذه السورة. ﴿آتينا حكما﴾ يعني النبوة وعلما بأحكام الله.
قال ابن عباس : دخلت الغنم ليلا، فأفسدت الكرم، فاختصموا إلى داود. فقضى بالغنم لصاحب الكرم، فمروا على سليمان، فأخبروه فقال : كان غير هذا الحكم أرفق بالجميع. فدخل صاحب الغنم، فأخبر داود، فقال لسليمان : كيف الحكم عندك. فقال : يا نبي الله، تدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيصيب من ألبانها وأصوافها وأولادها، وتدفع الكرم إلى صاحب الغنم يقوم به حتى يرجع إلى حاله. فإذا رجع إلى حاله، سلم الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها. وكذلك قال مجاهد وشريح(٢) وقتادة(٣) وجماعة من الكوفيين يزعمون أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعا ليلا أو نهارا أنه لا يلزم أصحابها شيء/.
قال : هو منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم(٤).
( العجماء جبار )(٥) ولم يقل بهذا أحد غير أبي حنيفة(٦).
وقد حكم بالضمان لما أفسدت البهائم(٧) بالليل(٨) ثلاثة من الأنبياء : داود وسليمان ومحمد ﷺ. قضى النبي أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب الماشية(٩) ما أصابت ماشيتهم(١٠) بالليل.
وقال أبو حنيفة : لا ضمان.
ومعنى قوله ﷺ :( جرح العجماء جبار ) إنما يعني به ما أصابت البهيمة فلا أرش فيه إذا(١١) لم يكن على صاحبها حفظها، لأن العلماء قد أجمعوا على أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، إذ عليه حفظها(١٢) ولا خلاف فيها إلا خلاف من لا يعد خلافا. فإذا لزم ما أصابت بيديها(١٣) الدابة فليس بجبار إلا إذا لم يكن على صاحبها حفظها وتضمين أصحاب الماشية ما أصابت بالليل. وهو قول مالك والشافعي(١٤).
فالذي يحكم به في مثل هذه القضية(١٥) في الإسلام أن يقوم ما أفسدته(١٦) الماشية من الكرم، ويغرمه أرباب الماشية لأهل الكرم، لأن حفظ الليل كان عليهم لازما، فلما فرطوا ضمنوا الجناية.
ويروى أن ناقة للبراء بن عازب رعت نباتا لقوم، فقضى رسول الله عليه السلام أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب المواشي(١٧) ما أصابت مواشيهم بالليل(١٨).
وخالف أبو حنيفة هذا الحكم، وزعم أنه منسوخ بقول النبي ﷺ : العجماء جبار. والرواية عند أهل الحديث : العجماء جرحها جبار. وقد أجمع أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها(١٩)، فدل ذلك أن ما أصابت جبار إذا لم يكن صاحبها معها أو قائدها. فخالف أبو حنيفة في هذا داود وسليمان ومحمدا ﷺ وجميع العلماء. ( وجبار ) مشتق من جبرت العظم، إذا لامته، وجبرت الرِّجْلَ، إذا نعشته فكان صاحبها(٢٠) يجبر وينعش بإسقاط ما جنته(٢١) الدابة عنه من غير أن يكون له فيه فعل.
ويجوز أن يكون من أجبرت الرجل على الشيء، إذا قهرته عليه، فتكون الدابة كلها مجبرة من حيث عليه(٢٢) أن لا يأخذ في الجناية بشيء.
وقد قيل : إن الذي أفسدت الماشية كان زرعا فقضى فيه(٢٣) سليمان أن يأخذ صاحب الزرع الماشية ينتفع بألبانها. وأصوافها إلى أن يأتي حول ثاني، ويزرع له صاحب الماشية مثل زرعه. فإذا بلغ الحد الذي كان عليه وقت رعته الماشية، دفعه إلى صاحب الزرع، وأخذ ماشيته.
وقيل : كانا نبيين(٢٤) يحكمان في وقت بأمر الله ووحيه. فكان داود يحكم بحكم أمره الله به. فيحكم به في الزرع، ثم نسخه الله، فأوحي إلى سليمان نسخه فحكم به في ذلك. فكل حكم بحكم الله تعالى وأمره له. وحكم سليمان ناسخ لحكم داود بأمر الله له ووحيه إليه. ولذلك قال : وكلا آتينا حكما وعلما.
ثم قال تعالى :﴿وكلا آتينا حكما وعلما﴾[ ٧٨ ].
قال زيد بن أسلم(٢٥) : الحكم، أو الحكمة العقل.
وقال مالك(٢٦) : وإنه ليقع بقلبي أن الحكمة، الفقه بدين الله عز وجل، ولين يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.
ثم قال :﴿وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن﴾[ ٧٨ ].
أي : يسبحن معه إذا سبح.
وقال قتادة(٢٧) :( معنى ) يسبحن هنا، يصلين معه إذا صلى. ( والطير ) يجوز أن يدخلن في التسبيح مع الجبال، وهو الأولى، ويجوز أن يدخلن في التسخير لا غير.
ثم قال :﴿وكنا فاعلين﴾[ ٧٨ ].
أي : فاعلين بقدر ما نريد.
وقيل : المعنى : وكنا فاعلين للأنبياء مثل هذه الآيات(٢٨).
وقيل : معناه : وكنا قضينا أن نفعل ذلك به في أم(٢٩) الكتاب.
قال ابن عباس : دخلت الغنم ليلا، فأفسدت الكرم، فاختصموا إلى داود. فقضى بالغنم لصاحب الكرم، فمروا على سليمان، فأخبروه فقال : كان غير هذا الحكم أرفق بالجميع. فدخل صاحب الغنم، فأخبر داود، فقال لسليمان : كيف الحكم عندك. فقال : يا نبي الله، تدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيصيب من ألبانها وأصوافها وأولادها، وتدفع الكرم إلى صاحب الغنم يقوم به حتى يرجع إلى حاله. فإذا رجع إلى حاله، سلم الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها. وكذلك قال مجاهد وشريح(٢) وقتادة(٣) وجماعة من الكوفيين يزعمون أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعا ليلا أو نهارا أنه لا يلزم أصحابها شيء/.
قال : هو منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم(٤).
( العجماء جبار )(٥) ولم يقل بهذا أحد غير أبي حنيفة(٦).
وقد حكم بالضمان لما أفسدت البهائم(٧) بالليل(٨) ثلاثة من الأنبياء : داود وسليمان ومحمد ﷺ. قضى النبي أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب الماشية(٩) ما أصابت ماشيتهم(١٠) بالليل.
وقال أبو حنيفة : لا ضمان.
ومعنى قوله ﷺ :( جرح العجماء جبار ) إنما يعني به ما أصابت البهيمة فلا أرش فيه إذا(١١) لم يكن على صاحبها حفظها، لأن العلماء قد أجمعوا على أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، إذ عليه حفظها(١٢) ولا خلاف فيها إلا خلاف من لا يعد خلافا. فإذا لزم ما أصابت بيديها(١٣) الدابة فليس بجبار إلا إذا لم يكن على صاحبها حفظها وتضمين أصحاب الماشية ما أصابت بالليل. وهو قول مالك والشافعي(١٤).
فالذي يحكم به في مثل هذه القضية(١٥) في الإسلام أن يقوم ما أفسدته(١٦) الماشية من الكرم، ويغرمه أرباب الماشية لأهل الكرم، لأن حفظ الليل كان عليهم لازما، فلما فرطوا ضمنوا الجناية.
ويروى أن ناقة للبراء بن عازب رعت نباتا لقوم، فقضى رسول الله عليه السلام أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب المواشي(١٧) ما أصابت مواشيهم بالليل(١٨).
وخالف أبو حنيفة هذا الحكم، وزعم أنه منسوخ بقول النبي ﷺ : العجماء جبار. والرواية عند أهل الحديث : العجماء جرحها جبار. وقد أجمع أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها(١٩)، فدل ذلك أن ما أصابت جبار إذا لم يكن صاحبها معها أو قائدها. فخالف أبو حنيفة في هذا داود وسليمان ومحمدا ﷺ وجميع العلماء. ( وجبار ) مشتق من جبرت العظم، إذا لامته، وجبرت الرِّجْلَ، إذا نعشته فكان صاحبها(٢٠) يجبر وينعش بإسقاط ما جنته(٢١) الدابة عنه من غير أن يكون له فيه فعل.
ويجوز أن يكون من أجبرت الرجل على الشيء، إذا قهرته عليه، فتكون الدابة كلها مجبرة من حيث عليه(٢٢) أن لا يأخذ في الجناية بشيء.
وقد قيل : إن الذي أفسدت الماشية كان زرعا فقضى فيه(٢٣) سليمان أن يأخذ صاحب الزرع الماشية ينتفع بألبانها. وأصوافها إلى أن يأتي حول ثاني، ويزرع له صاحب الماشية مثل زرعه. فإذا بلغ الحد الذي كان عليه وقت رعته الماشية، دفعه إلى صاحب الزرع، وأخذ ماشيته.
وقيل : كانا نبيين(٢٤) يحكمان في وقت بأمر الله ووحيه. فكان داود يحكم بحكم أمره الله به. فيحكم به في الزرع، ثم نسخه الله، فأوحي إلى سليمان نسخه فحكم به في ذلك. فكل حكم بحكم الله تعالى وأمره له. وحكم سليمان ناسخ لحكم داود بأمر الله له ووحيه إليه. ولذلك قال : وكلا آتينا حكما وعلما.
ثم قال تعالى :﴿وكلا آتينا حكما وعلما﴾[ ٧٨ ].
قال زيد بن أسلم(٢٥) : الحكم، أو الحكمة العقل.
وقال مالك(٢٦) : وإنه ليقع بقلبي أن الحكمة، الفقه بدين الله عز وجل، ولين يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.
ثم قال :﴿وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن﴾[ ٧٨ ].
أي : يسبحن معه إذا سبح.
وقال قتادة(٢٧) :( معنى ) يسبحن هنا، يصلين معه إذا صلى. ( والطير ) يجوز أن يدخلن في التسبيح مع الجبال، وهو الأولى، ويجوز أن يدخلن في التسخير لا غير.
ثم قال :﴿وكنا فاعلين﴾[ ٧٨ ].
أي : فاعلين بقدر ما نريد.
وقيل : المعنى : وكنا فاعلين للأنبياء مثل هذه الآيات(٢٨).
وقيل : معناه : وكنا قضينا أن نفعل ذلك به في أم(٢٩) الكتاب.
١ ز: القصة..
٢ هو شريح القاضي ابن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر بن الرائش. قال يزيد ابن هارون: كان شريح شاعرا فائقا قاضيا (ت: ٧٩ أو ٨٠ هـ). انظر: ترجمته في طبقات ابن سعد ٦/١٣١..
٣ انظر: جامع البيان ١٧/٥١ وفتح القدير ٣/٤٢٢..
٤ انظر: البخاري (مع الفتح) ٢/٢٥٦ ومسلم ٥/١٢٧ (كتاب الحدود) وابن ماجه ٢/٨٩٠ (كتاب الديات) ومسند أحمد ٢/٢٣٩..
٥ ز: قتل العجماء جبار..
٦ انظر: قول أبي حنيفة في الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢١٩. وقال الجصاص (وأصحابنا – يعني الأحناف – لا يرون في ذلك ضمانا، لا ليلا ولا نهارا إذا لم يكن صاحب الغنم هو الذي أرسلها فيها). انظر أحكام القرآن للجصاص ٣/٢٢٣ وقد ذهب الجصاص أيضا إلى أن حكيم داود وسليمان منسوخان بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم..
٧ ز: الماشية..
٨ بالليل سقطت من ز..
٩ ز: المواشي..
١٠ ز: مواشيهم..
١١ ز: إذ..
١٢ قوله: (لأن العلماء... حفظها) ساقط من ز..
١٣ (بيدها سقطت من ز)..
١٤ انظر: أحكام القرآن للهراس ٤/٢٧٦ وأحكام ابن العربي ٣/١٢٦٨ والشافعي هو الإمام ابن إدريس الشافعي. أحد الأئمة الأربعة (توفي بمصر سنة ٢٠٤ هـ). ترجمته في: الديياج ٢/١٥٦ وتهذيب التهذيب ٩/٢٥..
١٥ ز: القصة. (تصحيف)..
١٦ ز: فسدت..
١٧ ز: الماشية..
١٨ انظر: ابن ماجة ٢/٧٨١ (كتاب الأحكام)، ومسند أحمد ٤/٢٩٥ وأحكام الجصاص ٣/٢٢٣..
١٩ انظر: الناسخ والمنسوخ: ٢٢٠..
٢٠ ز: صاحبه..
٢١ ز: جنت عليه..
٢٢ قوله: (الدابة... من حيث عليه) ساقط من ز..
٢٣ فيه سقطت من ز..
٢٤ نبيين سقطت من ز..
٢٥ ز: ابن زيد. (تحريف) والقول في الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢٢٠..
٢٦ انظر: الناسخ والمنسوخ: ٢٢٠..
٢٧ انظر: فتح القدير ٣/٤٢٢..
٢٨ ز: الآية..
٢٩ أم سقطت من ز..
٢ هو شريح القاضي ابن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر بن الرائش. قال يزيد ابن هارون: كان شريح شاعرا فائقا قاضيا (ت: ٧٩ أو ٨٠ هـ). انظر: ترجمته في طبقات ابن سعد ٦/١٣١..
٣ انظر: جامع البيان ١٧/٥١ وفتح القدير ٣/٤٢٢..
٤ انظر: البخاري (مع الفتح) ٢/٢٥٦ ومسلم ٥/١٢٧ (كتاب الحدود) وابن ماجه ٢/٨٩٠ (كتاب الديات) ومسند أحمد ٢/٢٣٩..
٥ ز: قتل العجماء جبار..
٦ انظر: قول أبي حنيفة في الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢١٩. وقال الجصاص (وأصحابنا – يعني الأحناف – لا يرون في ذلك ضمانا، لا ليلا ولا نهارا إذا لم يكن صاحب الغنم هو الذي أرسلها فيها). انظر أحكام القرآن للجصاص ٣/٢٢٣ وقد ذهب الجصاص أيضا إلى أن حكيم داود وسليمان منسوخان بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم..
٧ ز: الماشية..
٨ بالليل سقطت من ز..
٩ ز: المواشي..
١٠ ز: مواشيهم..
١١ ز: إذ..
١٢ قوله: (لأن العلماء... حفظها) ساقط من ز..
١٣ (بيدها سقطت من ز)..
١٤ انظر: أحكام القرآن للهراس ٤/٢٧٦ وأحكام ابن العربي ٣/١٢٦٨ والشافعي هو الإمام ابن إدريس الشافعي. أحد الأئمة الأربعة (توفي بمصر سنة ٢٠٤ هـ). ترجمته في: الديياج ٢/١٥٦ وتهذيب التهذيب ٩/٢٥..
١٥ ز: القصة. (تصحيف)..
١٦ ز: فسدت..
١٧ ز: الماشية..
١٨ انظر: ابن ماجة ٢/٧٨١ (كتاب الأحكام)، ومسند أحمد ٤/٢٩٥ وأحكام الجصاص ٣/٢٢٣..
١٩ انظر: الناسخ والمنسوخ: ٢٢٠..
٢٠ ز: صاحبه..
٢١ ز: جنت عليه..
٢٢ قوله: (الدابة... من حيث عليه) ساقط من ز..
٢٣ فيه سقطت من ز..
٢٤ نبيين سقطت من ز..
٢٥ ز: ابن زيد. (تحريف) والقول في الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢٢٠..
٢٦ انظر: الناسخ والمنسوخ: ٢٢٠..
٢٧ انظر: فتح القدير ٣/٤٢٢..
٢٨ ز: الآية..
٢٩ أم سقطت من ز..